شريط الأخبار

الصفحة الأساسية > شؤون جمعوية > إسلامنا نحن الفرنسيين وليس إسلام المسلمين

إسلامنا نحن الفرنسيين وليس إسلام المسلمين

الخميس 4 آب (أغسطس) 2011

يمكن للجميع الخطأ عن حسن نية في تقديراته تجاه الإسلام، كما يمكن كذلك الخطأ كليا حول طبيعة وقدرة ميولاته و انتظاراته العميقة؛ ولكن الاستمرار في الخطأِ سيكون جدَّ مُضِرٍّ، خصوصا بالنسبة لأمة أوروبية توجد على رأس إمبراطورية مسلمة.
إن الإسلام حضارة تألقت ولمعت بإشعاع رائع في حوض الأبيض المتوسط، في القرون الوسطى، عندما كان أسلافنا؛ أبناء الإفرنج أو أبناء السيلتيك، لا يزالون أفظاظا وضيعين. دينه ملؤه العظمة، وأخلاقه سامية، وتقاليده يزينها النبل، وبعض مظاهر مناقبه احتفظت بهذا اللون وهذه البساطة التي تمنح في منهاج وجودنا المسعور والمختل درسا في الاعتدال. ولكن طرق الإدراك والتصرف التي غرزها الإسلام في المؤمنين به، وأصناف الفهوم و العقول التي فرضها عليهم، وخصوصا اعتبارا للسهولة التي تأقلم بها هو نفسه مع عقلياتهم البدائية، كل هذه الأشكال الفكرية هي في تناقض مع نفس الصفات عندنا، لدرجة أنه تبعا للطبائع الفردية لكل منا؛ فإن البعض من بيننا متأثرين بسحر التناقض قد فتنوا بها، بينما آخرون أكثر تصلبا وأقل تفهما - أو أقل تقليدا- ينفرون منها. ومن هنا كانت التأكيدات من هؤلاء وهؤلاء حية بمثل ما هي متعارضة: تحمسا غير مفهوم إلا قليلا من جهة، وتقززا واشمئزازا غير مبرر من جهة أخرى.
غير أن هناك حلا وسطا بين التعلق الأعمى والبغض بدون سبب: إنه حل المعرفة والحكم بعد ذلك بدون عاطفة أو انفعال. هذه الوضعية المنصفة هي وحدها التي لا تخيب الآمال وفي نفس الوقت هي قمينة بضمان عدم الوقوع في أخطاء قد لا يمكن إصلاحها.
والصحيح هو أن الإسلام، على الأقل في إفريقيانا الشمالية، لا يمثل إلا طبقة رقيقة إلى أقصى حد من نخبة هي في الغالب مرتابة، ومتعطشة، تغذَّى قلقها بالشعور بالتنافر الذي أحدثته فيها أَوْرَبَّتُها (europanisation) السريعة، المتعارضة مع موروثها وارتباطاتها الحالية. غير أنه من خلال ممثلي هذا المجموع الأكثر تمدنا وتحضرا؛ على الأقل من خلال مظهرها؛ الذين يدخلون في اتصال معنا، بفضل اللغة، ويحكون عما يريدون بالنسبة لهم وبالنسبة لمواطنيهم، أو عما يُهمس لهم به، فإننا نستخلص بسرعة كبيرة انطلاقا من الخاص إلى العام، ونعتقد طوعا، تبعا لذلك أن تطورا شاسعا قد تم، أن الأمازيغي والعربي قد نضجا للاستيعاب وأنهما قد أصبحا أهلا للمواطنة.
غير أن الوهم عميق. حُكُّوا هذا السطح الظاهري اللامع، هذا البرنيس المتوهج وستجدون كتلا بشرية في الحالة الأكثر فظاظة وخشونة، تعيش في لا أخلاقية متمكنة (في تناقض كبير مع مبادئهم الدينية)، متشبثة بمعتقدات خرافية ما قبل إسلامية، وهي كتل بشرية مندفعة بجنون، وبالتالي هي تحت رحمة كل تهييجات الشعوذة والدجل. (ولقد أعطت انتخابات الجزائر في أعقاب قانون سنة 1919 المثال الواضح على هذا؛ فبعض المرشحين، كما هو حال القبطان الشهير خالد، الذي يدعى تعسفا بالأمير، ذهبوا إلى الأضرحة ليطلبوا من المدفونين بها الدعوة لهم حتى يفوزوا في الانتخاب، وأشعلوا اضطرابات معادية لفرنسا بدا أنها تعيد زمن الحروب المقدسة). يا لها من فرضيات مجنونة أن يُعتقد بأن نصف قرن من الاتصال والاحتكاك يمكن أن يكون كافيا لإلغاء الانكماش الذي كرسه الزمن، والذي طالت مدته. ومع ذلك، وبفضل مفارقة فريدة؛ فإنه في هذه العوام الجاهلة والتي لم تحظ بأي تهذيب، ولكن قوتنا وقيمنا تفتنهم، نجد الرعايا الأكثر وفاء والجنود الأكثر إقداما: (لاحظ المقيم العام الفرنسي بالجزائر في تقرير رفعه إلى المجلس الأعلى للحكومة الفرنسية في 30 يونيو 1916، أنه خلال الحرب لم تقدم مجموعة الجزائريين الشباب لفرنسا أي مدافع عنها. وفي تونس فإن الرماة والمشاة كان يتم تجنيدهم فقط من بين الفلاحين والعمال. أما البورجوازيون الشباب بامتيازاتهم، المُحْتَدُّون بشدة حاليا، والذين يساومون اليوم دمائهم ودماء أبناء دينهم بتلبية طموحاتهم الوطنية الكبرى، ويتجنبون بقوة حتى عند تجنيدهم؛ أن يُعرضوا أشخاصهم الثمينة للرصاص الأعمى. ومن بين أعضاء حزب الدستور لم يحارب أحد على الإطلاق تحت راية فرنسا) [رد بالك. تونس بعد الحرب  الصفحة 52-]. وحتى هؤلاء الجنود الفلاحون والعمال لا يكونون مقدامين وأوفياء إلا بشرط أن يتم توجيههم وقيادتهم، وليس تركهم تائهين عن طريق منحهم استعمال حرية هي بالنسبة لهم رخصة تبيح كل شيء.
إن الإسلام قوة عظمى، هي في نفس الوقت متنافرة ومنسجمة. وعلى الرغم من المظاهر فهي قوة لا تتعاطف كثيرا مع اللاتيني النشيط والعامل، صاحب الإنجازات، الذي هو في نفس الوقت مثالي وواقعي.ولكن مع ذلك فهذا اللاتيني وحده، إذا ارتبط من جديد بتقاليد العِرق البشري الذي ينتمي إليه؛ يستطيع تطويعهم، وتدجينهم، ثم قيادتهم، وفرض النظام و الانضباط عليهم. فإذا كانت تركيا اليوم تتنظم وتُدمج قواها المنتاثرة تحت راية قومية متحمسة وعلى استعداد دائم للدفاع؛ أفلا يكون ذلك راجعا إلى كونها حاربت بعنف تراخيها الطويل وعجزها الإسلامي، الذي جعلها غير مؤهلة للتعرف على نفسها ولبناء سلاحها باتباع مدرسة المستعمِر اللاتيني؟
إن هذه الطريقة السيئة لدى بعض الأوروبيين في الإعجاب الغبي بالإسلام ومنحه فوق ما يستحق من التقدير، تبدو في نظر أهله مثل تخلٍّ واستسلام راجع إلى ضلال حقيقي، ويفسرون في مصلحتهم الأسباب المفترضة لذلك.
إن الكرم والطيبة يمكن أن يجتمعا دون أن ينحطا إلى درجة صلابة يقظة. ليكن لدينا إذا أردنا ذلك بعض الحب للإسلام - لإسلامنا نحن أولا، ذلك الذي نحميه ونربيه ونرعاه- ولكن يجب أن يكون حب الأخ الأكبر، حب الوصي لليتيمة القاصر التي يرعاها، حب يقظ ومستبصر، يتأكد فيه على الدوام ودون توقف، علو وتفوق حقل ثقافي على مدى أفق شاسع أكثر ما يمكن. علينا أن نشفي أنفسنا من الإعجاب العاطفي الذي يُظْلِم بشكل غريب رؤيتنا للأشياء ويحيد بنا عن الحقيقة. فالحقيقة وحدها هي التي تعتبر وتُعد في السياسة، وفقط من خلال اعتبارها الاستثنائي يولد التخطيط المفيد والفعل المنتج.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك
  • تدعم هذه الاستمارة اختصارات SPIP [->url] {{أسود}} {مائل} <quote> <code> وعلامات HTML <q> <del> <ins>. لإنشاء فقرات أترك اسطر فارغة.

khouribga.net khouribga.net © جميع الحقوق محفوظة خريبكة.نت 2007 - 2017