شريط الأخبار

الصفحة الأساسية > شؤون جمعوية > الزاوية التاغيـــة

الزاوية التاغيـــة

الاثنين 11 تشرين الأول (أكتوبر) 2010

لم تكن الزاوية قبل نزوح الفقيه المؤسس إليها سوى أرض عراء، مليئة بالمستنقعات، لجـأ إليها بضعة أفراد نبذهم مجتمعهم لإصابتهم بداء الجذام ، وسميت لذلك " بئر المجذام". تقع على بعد ميلين إلى الجنوب من مدينة " ابن أحمد " ، في نقطة التقاء عدة قبائل عربية أصيلة ، هي : أولاد شبانة من معقل في الغرب (ميلس) ، وقبيلتا بني يمــان ، والخزازرة (الخزرج) من الأزد باليمن في الشرق، وقبيلتا الحراكتة وبني إبراهيم الهلاليتان في الجنوب ، وقبيلة أولاد زهرة الحمداوية من قريش في الشمال ( عين الضربان) ، عند تقاطع الطريق إلى قبيلة " بني إبراهيم" مع طريق " ميلس- سيدي صيكوك" على سفح وادي "الحيمر" الذي يتكون من تجمع مسايل للمياه تبدأ من جنوب "المكرط" قرب " مشيشة " في قبيلة " بني إبراهيم" ماراً بالزاوية ، ثم " ميلس" وقبيلة "أولاد شبانة" ، ثم "جمعة رياح" منتهياً قرب "برشيد" في السدرة التي بأربعاء " ذياب " على الحدود بين " المذاكرة " و" أولاد حريز".

هناك لجأ الفقيه أحمد التاغي بن مسعود الحمداوي بطلبته ، وكلهم في سن المراهقة والشباب ، وقد حفظوا القرآن الكريم بقراءة الإمام ورش ، ثم وفدوا إليه لتلقي القراءات السبع المشاهير.

كان الفقيه أول مرة يدرّس طلبته هـؤلاء في قرية " زيو" بأولاد عبو ، قبيلته ، شمال ابن أحمد في الطريق إلى الكارة بحوالي ثلاثة أميال ، ولكن الأقارب والأهل والقبائل المجاورة ضجوا من تصرفات الطلبة وعدم انضباطهم. كما تضايقوا من أن الفقيه ينفق ماله ومكاسبه الزراعية على طلبته ، ويدع أرحامه وأقاربه ، فاضطر للرحيل إلى ناحية " دكالة " ولكن مشاكل الطلبة ومشاكساتهم للأهالي اضطرته مرة أخرى لأن يشتري أرضاً في منطقة بين قبيلتي حمداوة والمذاكرة ، أسس بها مزرعته ومدرسته القرآنية ، وعكف على العبادة والتدريس. وهناك اقتنع أهله وأرحامه والقبائل المجاورة بسلامة نهجه وصواب إنفاقه ماله على طلبة القرآن ، فأخذوا يصلونه ويعينونه ، وأطلقوا عليه لقب " طايع الله " ، وعلى الأرض التي يقيم بها " أرض طاع الله " ، ومازالت هذه البقعة لحد الآن تسمّى " طاع الله " ، وقد آلت بالوراثة إلى بعض أحفاده من ورثة الحاج العربي القاضي - رحمه الله تعالى- . كما أن هذا اللقب هو الأصل التاريخي لأسرة " آل مطيع " من ذرية محمد بن الحاج المهدي بن الحاج إدريس بن الحاج المعطي بن الحاج أحمد التاغي رحمهم الله تعالى جميعاً.

ولكن مقام الشيخ وطلبـته لم يطل في بلدة " طاع الله " بين المذاكرة وحمداوة ، إذ ما لبث الأهالي أن تضايقوا بشغب الطلبة ومشاكساتهم ، فاضطر الفقيـه للانتقــال إلــى"بئرالمجذام" وهناك أسس أسرته وأنسل ذريته ، وبنى مسجده ومدرسته القرآنية ، وبضع غرف لسكن طلبته ، واستقبال زواره وضيوفه. ثم جاوره في المقام الجديد محبوه ومريدوه من القبائل المجاورة وبعض الخريجين من تلامذته الذين أخذوا يساهمون معه في التدريس واستصلاح الأرض وتـجفيف المستـنقعات ، فاخـتفت الأمـراض والأوبئة ، وتحولت الزاوية - كما أطلق عليها لاحقاً- إلى بيتٍ من بيوت الله التي  أَذِنَ اللهُ أنْ تُرفَعَ ويُذْكَرَ فيها اسمُه ، يُسَبِحُ له فيها بالغُدُو والآَصَالِ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارةٌ وَلاَ بيَعٌ عَنْ ذِكْرِ الله وإِقَامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ ، يخافون يوماً تتقلبُ فيه القلوبُ والأبصارُ النور37 ، فاشتهر أمرها ، وقصدها طلابُ القراءات السبع وعلوم القرآن والفقه والعربية من كل صقع ، وتخرّج منها آلاف الرجال الذين انبثوا في القرى والمدائن والقبائل للإقراء والدعوة والإرشاد والإمامة والتدريس ، واقتنعت القبائل المجاورة بأهمية هذا المركز العلمي وحرص الناس على تشجيعه ودعمه وحمايته من غارات حروب "السيبة" والتقاتل القبلي التي كانت سائدة حينئذ.

كان التدريس في الزاوية أول عهدها مقتصراً على القراءات السبع وعلوم الفقه والقرآن ومبادئ العربية، يقوم بها الفقيه المؤسس أحمد التاغي الحمداوي - رحمه الله تعالى- ثم أضيف إلى ذلك تدريس الصبية القرآن الكريم برواية الإمام ورش ، يقوم به أحد تلامذته ؛ وبعد وفاته حوالي 1275 هـ - كما يبدو من ظهير التوقير والاحترام المسلم لأولاده بعد موته سنة 1276 هـ من قبل السلطان المولى محمد بن عبدالرحمن رحمه الله- تولى ابنه البكر "الحاج المعطي" مهمة القيام بتدريس القراءات السبع وعلوم القرآن والفقه، والإشراف على إدارة الزاوية ، والإنفاق على الطلبة. إلاَّ أنه اضطر حوالي سنة 1281 هـ إلى أن يهجر الزاوية فراراً من القائد أحمد بن الفكاك وأخيه الخليفة زويويل بن الفكاك اللذين نشرا الظلم بالشاوية وقبائل مزاب ، واختبأ لدى قبيلة أولاد سعيد عند الحاج الحفيان، وهناك زوج ابنه إدريس من بنت الحاج الحفيان ، الفقيهة حافظة القرآن الحاجة غَنّوُ. وعندما عزل القايد ابن الفكاك سنة 1283 رجع الحاج المعطي إلى الزاوية ؛

ثم بعد توجهه للحج وعدم عودته من الديار المقدسة ، واختفاء أمره ، قبيل سنة 1296 هـ -كما يبدو من ظهير التوقير والاحترام المسلم لأبنائه "أحفاد الحاج أحمد التاغي"، من قبل السلطان المولى الحسن الأول في 21 محرم عام 1296 هـ - تكفل ابنه البكر الحاج إدريس بالزاوية تدريساً وإدارةً وإنفاقاً على الطلبة ، وتطويراً للمرافق ، فبنى القبة المجاورة للمسجد حالياً ، وشقَّ إلى الزاوية عينين للماء بواسطة الآبار المتصلة بأنفاق تحت الأرض "الخطاطر". إحداهما جرها إلى جوار المسجد والمدرسة القرآنية للوضوء والشرب وسقي المزرعة الموقوفة على الطلبة من قبل الجد المؤسس ، يطلق عليها العامة "العين المالحة" ، آبارها المتصلة ممتدة على طول الطريق الترابية إلى "سيدي صيكوك" على حقول "فدان خمسة". والثانية -أطلق عليها العامة "العين الحلوة" جرت إلى مزارع الأسرة بعيداً عن الزاوية ، وعن المساكن ، للسّقي وشرب الساكنة والقبائل المجاورة. آبارها ممتدة في امتداد الطريق الترابي إلى قبيلة "بني إبراهيم". وكلا العينين حلو مذاقهما، إلاّ أن إحداهما أخف وألذ. كما أن الحاج إدريس -رحمه الله تعالى- اهتم بتطوير الدراسة بالزاوية ، وتكوين علماء من أبنائها ، فأرسل بعثة علمية إلى جامعة القرويين بفاس مكونة من ابنه الفقيه الحاج الصغير ، وأربعة من أبناء أعمامه هم الفقيه أبوشعيب بن محمد ، والفقيه محمد بن الجيلاني ، والفقيه العربي بن محمد ، والفقيه محمد بن محمد. وبعد أن تخرج هؤلاء الشباب رجعوا إلى زاويتهم وتصدوا للتدريس بها ، فكانوا يدرسون اللغة العربية ، والفقه والفرائض ، والتوحيد والمنطق والتفسير والقراءات ، وقواعد التجويد. كما أصبح يزور هذه الزاوية لإلقاء المحاضرات وإقامة الندوات العلمية أساتذة كرام من القرويين ، من أمثال العلاّمة النوازلي الشيخ المهدي الوزاني. ثم التحق بها للتدريس أيضاً بعض علماء القبائل المجاورة الذين تخرجوا منها مثل الفقيه السيد أبوشعيب المزمزي ، من قبيلة المزامزة -ما بين ابن أحمد وسطات- ، والفقيه السيد أبوشعيب الإبراهيمي من قبيلة بني إبراهيم ، والفقيه الولي الصالح -دفين بيته بالزاوية- سيدي الحاج إبراهيم الأمغاري ، كما التحق بها في زمن المؤسس أحمد التاغي الولي الصالح سيدي شعيب الركراكي ، من ذرية الجماعة الركراكية الأولى التي روي أنها وفدت على الرسول صلى الله عليه وسلم عند بعثته. ولذلك كان الشيخ أحمد التاغي يجله ويأمر ذريته بإجلاله حياً وميتاً. وهو دفين بمقبرة الزاوية ، وضريحه معروف.

وتحوّلت الزاوية بذلك في عهد الحاج إدريس -رحمه الله - إلى نادٍ علمي تعقد فيه المجالس العلمية ، والمذاكرات الفقهية ، مما أصبحت به ذات شهرة علمية بين القبائل المغربية ، وأخذت تتفرع عنها مدارس أخرى وزوايا ، يؤسسها بعض خريجيها ، مثل زاوية مولاي الطاهر القاسمي في دكالة ، وغيرها.

ثم بعد وفاة الحاج إدريس يوم الجمعة 22 رمضان 1308 هـ الموافق لفاتح مايو 1891م -كما هو مدون على ضريحه- سارت الدراسة في الزاوية على ما تركها عليه تحت إشراف ابنه البكر السيد الكبير ، فقام بها خير قيام إدارة وتدريساً وإنفاقاً على الطلبة والمدرسين.

إلاّ أنّ الهجمة الاستعمارية على البلاد استفحل أمرها في بداية القرن العشرين الميلادي ، وتعرض ثغر أنفا -الدار البيضاء- للهجوم الفرنسي سنة 1907 هـ فتنادت قبائل مزاب وحمداوة للجهاد بتحريض من علماء الزاوية وفقهائها ، ولكن بدائية الأسلحة والتنظيم القتالي وضعف الإمكانيات المالية لم تصمد في وجه الغزو المدجج بأحدث أسلحة العصر وأساليبه ونظمه ، وكانت الهزيمة أمام الغزو الأجنبي ، وسقط الشهداء والجرحى في كل قبيلة ومن كل بيت. وكان ممن استشهد : الفقيه الحاج الصغير بن الحاج إدريس ، وممن جرح : شيخ قبيلة أولاد عبو الحاج العربي بن الحاج المختار الذي بقى حياً إلى سنة 1957م ، بعد أن أعلن الاستقلال ، وتجاوز مائة عام من عمره.

وتقدم الجيش الفرنسي ، فاحتل "مديونة" ، ثم "برشيد" ثم "ابن أحمد" ، فتعرضت القبائل المزابية والحمداوية إلى ضروب من التعذيب والاضطهاد والمطاردة والإرهاب والتقتيل والإذلال ، وتعرض أهل الزاوية بصفتها مركز إشعاع ديني وعلمي إلى الاضطهاد والنفي والتهجير ، ومصادرة الأموال والممتلكات. وحاول الفرنسيون إلغاء الدراسة بها ، ومصادرة أوقافها ومكاسبها في التوقير والاحترام والإعفاء من الكلف المخزنية التي أضفتها الدولة العلوية عليها منذ سنة 1250 هـ على يد السلطان المولى عبدالرحمن بن هشام ، ومن بعده ، وجعلتها بذلك حرماً آمناً لا يعتقل من التجأ إليه. فتصدى لهم عميد الزاوية حينئذ السيد الكبير بن الحاج إدريس بضراوة، واستدعى قبائل أولاد عبو وأولاد زهرة ، وبني إبراهيم والخزازرة ، وأولاد ريمة وأولاد امحمد والأحلاف وغيرهم ، فضربوا سوراً حول الزاوية للدفاع عنها. واشتبك هو بدوره في معركة بالأيدي والعصي مع الحاكم الفرنسي "المراقب المدني" الذي كسّر ذراعه ، فاضطر السيد الكبير إلى حيلة ينقذ بها الزاوية والتدريس بها ، ففر إلى الدار البيضاء وأعلن لنفسه الحماية الإنجليزية ، ثم تدخلت السفارة الإنجليزية محتجة على ما يفعله الفرنسيون بهذا الحرم العلمي ، ثم تم الاتفاق على أن يعاد للزاوية احترامها وتوقيرها وحريتها في تدريس القرآن والفقه وعلوم القرآن والعربية وعلى أن تبقى حرماً آمناً لا يعتقل من التجأ إليها.

هكذا استطاع هذا الحفيد الأعرج - بسبب إصابته في حرب الدفاع عن الدار البيضاء سنة 1907 م - أن ينقذ بعض ما يمكن إنقاذه ، وأن يواصل عمل جده في خدمة الدين ، وعمل والده الحاج إدريس في إرسال البعثات من خريجي الزاوية وأبناء الأسرة إلى جامعتي القرويين بفاس وابن يوسف بمراكش ، ليؤطر بهم -فيما بعد- حركة الدعوة والتدريس والإمامة والقضاء والعدالة في الشاوية العليا كلـها ، وليكون بعضهم نواة للحركة الوطنية ثم نواة لحركة المقاومة المسلحة في هذه الناحية من الوطن.

وبعد وفاته - رحمه الله تعالى- دون أن يعقب ذكوراً، لم يخلفه أحد من أقاربه في الإشراف على الزاوية بسبب نزوح أعيانهم إلى الدار البيضاء طلباً للرزق أو فراراً من إرهاب السلطة ، فتقلص دور الزاوية وتراجعت الدراسة فيها ، ودب الخراب إلى مرافقها ومساكنها ولم يبقَ فيها إلاّ تدريس القرآن الكريم برواية الإمام ورش وحدها،.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك
  • تدعم هذه الاستمارة اختصارات SPIP [->url] {{أسود}} {مائل} <quote> <code> وعلامات HTML <q> <del> <ins>. لإنشاء فقرات أترك اسطر فارغة.

khouribga.net khouribga.net © جميع الحقوق محفوظة خريبكة.نت 2007 - 2017