المعطي قبال.. ابن مدينة خريبكة الذي انتهى به مساره مشارف نهر السين رحلة ما بين باريس والدار البيضاء أقصر من سفر بين حد السوالم وسبت أولاد النمة

المعطي قبال واحد من تلك الأسماء التي أغنت رفوف الخزانات والمكتبات من خلال إنتاجات متنوعة باللغتين العربية والفرنسية. في قلب مكتبه المتواضع بمعهد العالم العربي بباريس، حيث يشرف منذ سنوات على الملتقى الفكري «خميس المعهد»، حاورته جريدة «المساء».

- أستحضر مقولة الدكتور عز الدين العراقي، آنذاك وزيرا أول، وهو يتحدث عن موطنه: «أن يكون المرء فاسيا هو في حد ذاته ثقافة»
أين أنت من الثقافة وأنت خريبكي النشأة؟ وأي مسار قذف بك إلى نهر السين؟

< منذ سنوات في أحد المجامع الرسمية بأصيلا لما تكلمت بفرنسية وعربية لا غبار عليهما، التفت صوبي مولاي أحمد العلوي ليسألني بجرأته المألوفة: أنت من أين؟ ولما أجبته : «من خريبكة» لم يتوجه لي ولو بكلمة أثناء إقامته القصيرة في المدينة. إن لم تثر السخرية،

فخريبكة تبقى سبة على لسان الحضر المنحدرين من مدن بلاطية أو عصرية مع العلم بأنها سليلة الاستعمار، شيدها الماريشال ليوطي لما اكتشف أن جوفها زاخر بالفوسفاط ولم يلبث أن حوله إلى رئة اقتصادية هامة: مدت إلى البيضاء السكك الحديدية، ظهرت الجرارات والجرافات، اقتلع الفلاحون من حقولهم ليرسلوا إلى جوف الأرض، انبثقت أرتال الفوسفاط، بنيت الفيلات والملاعب، الملاهي، المستشفى، رافقتها الحانات والمتاجر العصرية... لخريبكة وجهان: وجه قروي ووجه حضري. تعلم من هذه الثنائية جيل بكامله كيف يلبس «الكوستيم» والجلابة، كيف يحتسي قريعات من الجعة أو يضرب بولبادر ! كيف يغازل فرنسية أو يعلق نصف راتبه الشهري على صدور الشيخات!
إحدى خاصيات خريبكة هي هذه الازدواجية التي فقدتها اليوم لصالح سيادة لغة واحدة ولذوق أوحد.
بسرعة يمكنني أن ألخص هذا المسار في المحطات التالية: التعليم الثانوي في خريبكة، ثم التعليم العالي في الرباط وأستاذ فلسفة في مراكش. رحلة ذهاب من دون إياب إلى باريس بعد عدة محاولات للعودة إلى المغرب. متابعة البحث في جامعة باريس السابعة، محاضرات في الجامعة الأوربية قبل التوجه إلى العمل الصحافي في بوليتيس، ثم في أسبوعية كورييه أنتيرناسيونال، ( ست سنوات)، ثم العمل كمتعاون مع جريدة ليبيراسيون الفرنسية. بالموازاة تم إنجاز بعض الترجمات مثل «كتاب المواقف» للنفري، «مفاخرة الجواري والغلمان» للجاحظ، الالتحاق بمعهد العالم العربي مسؤولا عن خميس المعهد. نشر مؤلف «المغرب في حركية» ثم عدد خاص من مجلة لوماغازين ليتيرير عن الآداب المغربية. مجموعة قصصية بالعربية تحت عنوان «مقبرة الكلاب» وبالفرنسية «تحت المراقبة». المجموعة القصصية الثانية صدرت مؤخرا بعنوان «المغرب: لقطات آنية». اليوم، لما أعبر جسر هنري الرابع الذي يربط الضفة اليمنى بالضفة اليسرى أقول في قرارتي: سالت مياه كثيرة وفين غادي يدفنوني؟

- هل الأدب المغاربي بشقيه الفرانكوفوني والعربي قادر اليوم على التقاط تعقيدات العالم الغربي ومفارقاته بلغة تكسبه نقطة ارتكاز قوية وتؤهله لمواجهة ما اصطلح على تسميته بـ»العولمة الثقافية»؟

< إحدى الآفات التي يعاني منها الأدب المغاربي هي الإقليمية، بحيث، وعلى الرغم من طابعه العريق، ثرائه وتنوعه، لم يرق هذا الأدب إلى مقام الآداب العالمية. لا جائزة نوبل التي أحرزها نجيب محفوظ ، ولا جائزة الغونكور التي عادت إلى الطاهر بن جلون، ولا ولوج آسية جبار رحاب الأكاديمية الفرنسية، كانت بقادرة على ترسيخ هذه الآداب، بأسماء ونصوص جديدة، في كاتالوغ الآداب العالمية. يبقى هذا التميز حدثا ثقافيا عرضيا وعابرا. من المسؤول عن هذا الوضع؟ أهي اللغة، الرقابة أم عدم علاقة المبدع بالواقع وعدم قدرته على التقاط تحولاته وتمفصلاته؟ أم هي إمبراطورية الشعر التي حولت ثقافة بأكملها إلى ثقافة حس أكثر منها ثقافة توصيف. لم تنتج هذه الثقافة شبيها لبالزاك، زولا، سيلين، بل أنتجت بقفزة تخييل أشباه سان-جون بيرس، إيف بونفوا... علينا أن نهتم أولا بالزبالة ومن بعدها الطيفور !
ثمة نصوص روائية، هي بمنأى عن الحميمية السائدة، لها ما يلزم من مقومات فنية وتخييلية يخولانها مواجهة العولمة الثقافية. تحمل نصوص من هم سليلو الأرياف، القرى، الصحراء، بسخريتهم وقدرتهم على التقديح، هذا الهم وهذا التوجه مثل محمد زفزاف، رشيد الميموني، محمد شكري، كاتب ياسين، إبراهيم الكوني، الذين دمغوا بقوة الأدب المغاربي ... رهان الثقافة العروبية، بالمعنى القروي، هو كسر أغلال الرقابة، الرقابة الذاتية، سيادة الحيف واللاهوت. قد يكون الأنترنيت في هذا المضمار وسيلة ناجعة لمناهضة العولمة الشعواء وترسيخ تقاليد ثقافة بديلة.

- هل تمكنت الكتابة المغاربية، التي اعتمدت الفرنسية لغة للتواصل، من التحرر من سلطة المرجعيات العربية وممارسة فعل التغيير في النسق الكتابي شكلا ومضمونا؟
< الأديب ابن واقعه. على الرغم من محاولات بعض الكتاب التنصل من الواقع، تزويقه أوفلكلرته، إرضاء لدور النشر أو لقراء متلهفين للإكزوتيك، فإن كتاب اللغة الفرنسية ينهلون من واقع وتاريخ مرجعياتهم العربية، سواء أكانت سلبية أم إيجابية. نجحت الآداب المغاربية المكتوبة بالفرنسية في اختراق الحدود، في التماهي مع إشكاليات وقضايا طرحتها الآداب الفرنسية، في تحرير أشكال الإبداع والكتابة. خلخلت هذه الآداب، في زمن لم تعرف فيه الطفرة الأصولية، عبر نصوص بارقة سيادة الأسلاف. نصوص إدريس الشرايبي، محمد خير الدين، كاتب ياسين، خير مثال على ذلك. اليوم، انبثق جيل من المغاربة يكتب باللغة الهولندية بهموم وإشكاليات مختلفة عما عاشه وجربه الجيل الفرانكوفوني. وهذا الجيل هو اليوم في طور تثوير الآداب الهولندية من الداخل. «شربو حليب هولاندا».

- سؤال: الواقع الراهن المتميز بهيمنة السوق وتوحش العولمة وسيطرة الأنانية، يفترس كل يوم الإبداع في كل صوره وأشكاله ولغاته، أي دور لرجالات القلم في مواجهة الوضع ؟
< دور رجالات القلم إعلامي، أخلاقي، إبداعي قادح وفاضح لهذا الوضع. قيم الاستهلاك التي بموجبها، كما قال حسين السلاوي، «ما تسمع غير أوكي أوكي كامان باي باي»، قيم من صنع الماريكان «المسكة، كوكا، الدانكري»، عملت على تشييئ وتبضيع الأرض ومن عليها.

- تعيش في دنيا الاغتراب شريحة واسعة من المثقفين تشتغل للأسف في صيغة المفرد..هل من دور لخميس المعهد في أن يجعل من كل واحد من هؤلاء كثيرا متعددا مع كثير متعدد، بمعنى رابطة أو عصبة للأدباء المغتربين؟
< لم يعد مفهوم الغربة ناجعا نظرا لقصر المسافات الذي أحدثته وسائل النقل، إذ رحلة ما بين باريس والدارالبيضاء أقصر من سفر بين حد السوالم وسبت أولاد النمة! الاشتغال في صيغة المفرد هو ما يميز الإبداع، ولو فقد المبدع فرادته لسقط في أحضان الجماعة، ونعرف ما لهذه من سلطة استبدادية قاهرة. خميس المعهد جسر ثقافي بين المغرب العربي-المشرق وأوربا. ملتقى لمثقفين، مبدعين، باحثين في ميادين متباينة، لكنها تتكامل من حيث غائياتها. إننا نشجع انبثاق الفرديات في المجال الفكري والمعرفي باستدعائها إلى المساهمة في ندوة أو محاضرة. أما فكرة التجمع والرابطة والاتحاد فنترك هذا المشروع لمؤسسات أخرى، رسمية أو شبه رسمية فيما يبقى همنا هو الحرص على نقل الأفكار بين ضفاف المغرب، الشرق والغرب، خصوصا في زمن كثر فيه طلب الجمهور على معرفة العالم العربي-الإسلامي وفي زمن ينضح بالعنف والتطرف. دور خميس المعهد يتمثل في تصحيح الأفكار المبتسرة والمسبقة عن دول وشعوب بتاريخ معقد وديناميات متباينة.