روائح كريهة، مستنقعات من المياه العادمة، أكوام الأزبال والقاذورات متراكمة وسط الأزقة المتربة.. أحياء ذات أزقة جد ضيقة ومحفرة، سحب من الغبار تتناثر هنا وهناك، منازل يعلوها الآجر الأحمر غير مكتملة البناء ومشوهة المعالم، وأخرى بنيت على حافات عميقة القعر، ومياه الوادي الحار تخترق بعضا من الدروب التي يصعب فيها المرور، عيون النساء اللواتي تسترق النظر من نوافذ غير مكتملة لمنازل عالية الارتفاع تترصد بفضول كل من يمرون من الزقاق، خاصة الغرباء.

أطفال يشكلون جماعات ويلعبون بكل ما جادت به مزابل أحيائهم التي نمت بسرعة البرق في هوامش المدن، حيث تغيب كل مظاهر الحياة الكريمة.. تجمعات سكنية عشوائية عبارة عن غابات من الإسمنت المسلح، بدون مساحات خضراء أو فضاءات للعب الأطفال.. انعدام شبه تام للمرافق العمومية أو الفضاءات الشبابية التي يمكنها أن تكون متنفسا لأبنائها.. هذه المشاهد كلها عبارة عن قواسم مشتركة بين كل الكاريانات التي قامت «أخبار اليوم» بزيارتها قصد إنجاز هذا الملف.
يصل عدد المغاربة الذين يقطنون مساكن شيدت في إطار السكن «العشوائي» أزيد من 4 ملايين نسمة، ضمن 450 ألف أسرة تقطن بـ1250 حيا صفيحيا تمتد على مساحة 11000 هكتار.
ويصل عدد المساكن المهددة بالانهيار، أو الآيلة للسقوط، إلى أكثر من 90 ألفا، وتطلب توفير غلاف مالي يبلغ 25 مليار درهم، تساهم فيه الدولة بـ10 ملايير.
وبالرغم من مجهودات الدولة للقضاء على هذه الأحياء الهامشية، التي صارت تشوه المدن وتؤدي إلى ترييفها وتأخير تقدمها، فإن دور الصفيح لاتزال في تكاثر مستمر بفعل تزايد الهجرة القروية نحو المدن.
ولا تجني المدن من وراء أحزمة الفقر التي تلتصق بها سوى ظواهر سلبية، مثل الإجرام وتفشي المخدرات ومختلف مظاهر الانحراف، إلى درجة صار معه الانتماء إلى الكاريان مرادفا للفساد والانحراف والإجرام والإرهاب...
لكن، في المقابل، يعيش سكان الكاريانات حياة شبه بدائية، حيث يحرمون من الاستفادة من أبسط المتطلبات الضرورية للحياة، كالتطبيب والتعليم والأمن، وبالإضافة إلى ذلك فإنهم يكونون ضحايا لكل الأخطار المحدقة بهم من فيضانات وحرائق على مدار الفصول الأربعة. فإذا كان موسم الشتاء يمر عليهم كأنه ضيف ثقيل بما يحمله لهم من شقاء وبرد الأمطار التي تكبدهم خسائر فادحة، فإن فصل الصيف يجعلهم في انتظار مقلق لحريق سيندلع بسرعة الريح، ويلتهم ما تبقى من رحلة الشتاء ويجبرهم على قضاء اليوم خارج مساكنهم.
ولا تتهدد حياة سكان الكاريانات المشاكل الصحية والكوارث الطبيعية فقط، وإنما يواجهون عدة أخطار من قبيل الحشرات السامة والأفاعي والعقارب، حيث تجد في مثل هذه الفضاءات مرتعا خصبا للنمو والتكاثر.
لكن ومع كل هذا فإن مدن الصفيح، التي يعتبرها الكثيرون بمثابة براميل بارود تحيط بالمدن الكبرى، تعتبر خزانا طبيعيا للأصوات الانتخابية، ويصبح قاطنوها، مع اقتراب موعد الاقتراع، محط عناية فائقة من قبل المرشحين. وهكذا تتحول «الكاريانات» إلى قبلة لأشخاص غرباء عنها، يباشرون الاتصال بالسكان، ويدّعون أنهم بصدد إحصائهم في أفق توزيع مساكن جديدة عليهم، مقدمين لهم الكثير من الوعود التي سرعان ما تتلاشى بعد مرور الانتخابات.
الكاريانات عالم واسع يمتد عبر أحزمة الفقر المحيطة بالمدن.. عالم له علاقاته ولغته ونمطه الحياتي والقيمي، لكنه يبقى غير معزول عن مجمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ببلادنا.
الجنس في البراكة.. متعة أم عبء؟
نجاة «عاهرة»: أبي وأمي من دفعاني إلى امتهان الدعارة
تحولت من طالبة متعة إلى مومس في سوق النخاسة وعمرها لا يتجاوز 16 سنة، بسبب سعيها إلى تقليد مشاهد المضاجعة بين والديها

خلال زياراتنا الميدانية لمجموعة من الكاريانات بمختلف مناطق المغرب، لاحظنا وجود عدة تناقضات تعيشها ساكنة هذه الأحياء الهامشية، أبرزها أن عائلات كثيرة تتكون من أب وأم وما بين 4 إلى 8 أبناء تتقاسم براكة لا تزيد مساحتها في أحسن الأحوال عن 16 مترا مربعا!
هذه الملاحظة دفعتنا إلى سؤال العديد من الأزواج المنتمين إلى هذه الفئات حول كيف يمارسون حياتهم الجنسية في ظل هذه الظروف؟
فأجمعت إجاباتهم على أنهم يضطرون إلى تحين الفرص السانحة أو حتى اقتناصها من أجل الخلوة في أحد أركان «البراكة» الضيقة لقضاء وطرهم من أزواجهم، أو يعمدون إلى صرف الأولاد خارج «البراكة» للعب أو لجلب بعض السلع من مكان بعيد، لضمان عدم وجود الأبناء خلال فترة الجماع .
ولم يُخف بعض المستجوبين أن هذا الأمر يشعرهم بالحرج ويضطرهم أحيانا إلى الخروج إلى الخلاء من أجل مضاجعة زوجاتهم في المزارع والأمكنة البعيدة عن رادارات بني البشر بالأحياء القصديرية.
وحذر الأطباء المختصون في الجنس من مغبة تمكين الأطفال من مشاهدة آبائهم في أوضاع حميمية مثل التقبيل أو العناق، مؤكدين أن مثل هذه السلوكات «تعمل على تنشيط الرغبات الجنسية عند الأطفال، وقد تدفعهم حينئذ إلى طريقة لتبديد هذه الطاقة إما على هيئة نشاط جسمي حاد أو عن طريق ممارسة العادة السرية بكثرة».
ولم يختلف المختصون في كون مشاركة الأطفال لآبائهم نفس الحجرة والفراش «سلوك غير مستحب لما قد يتيحه ذلك من رؤية أبويه في وضع جنسي، مما قد يتسبب في إيذاء شديد للطفل».
ويوضح علماء النفس أن من توابع إحدى هذه النتائج وهي «الكبت»: الاضطراب السلوكي، ذلك أن الاهتمام الزائد والمفرط للأبناء بموضوع الجنس قد يؤدي إلى الشرود والكذب والسرقة.. بالإضافة إلى القلق والعدوان، وفي بعض الأحيان إلى الانحراف واللاانضباط المدرسي.. نجاة، «عاهرة» في العشرينات من عمرها، نشأت في حي صفيحي شهير بالبيضاء، وهو كاريان السكويلة، تقتعد كرسيا بمقهى وسط المدينة، ولا تتردد في اتهام والديها بكونهما هما من دفعاها إلى امتهان بيع جسدها. كيف ذلك؟
تجيب متحسرة بأنها ظلت طيلة طفولتها تعيش في غرفة واحدة مع أبويها وإخوتها، مضيفة أن والديها لم يكونا يكلفان نفسيهما عناء التستر خلال خلوتهما ببعضهما البعض.
وتمضي نجاة، التي لا تكف عن التأفف والتذمر، شارحة أن ما كانت تشاهده من والديها، وهي في سن المراهقة، أيقظ في دواخلها الشعور بالرغبة في الاقتداء بهما، وهو ما سعت إليه، مأخوذة بسحر وخصوصية الفعل، فوجدت نفسها تتحول من طالبة متعة إلى مومس في سوق النخاسة، وعمرها لا يتجاوز 16 سنة...
ولم ينكر عدد من الأولاد الذين يعيشون مع آبائهم في براكة واحدة، في تصريحات لـ»أخبار اليوم»، شعورهم بالضيق والحرج جراء اضطرارهم إلى مشاركة آبائهم وأخواتهم الإناث لنفس الفضاء الضيق، وقال بعضهم إن هذا الوضع يدفعهم إلى المبيت في الخارج حتى يجنبوا أنفسهم الحرج ويجنبوا آباءهم الإحراج، بالرغم من كونهم على وعي تام بأن هذه الخطوة قد تعرضهم للانحراف والانغماس في عالم جلسات الخمر الليلية، لكنهم يفعلون ذلك هربا من مرارة ظروف عيشهم القاسية.

الانتماء إلى الكاريان.. العنوان المشبوه
ثمن شهادة السكنى يتراوح بين 5000 و6000 درهم في أحياء صفيحية تستفيد من برنامج «مدن بدون صفيح»

هل تدري ماذا يعني أن تكون «ولد الكاريان»؟ إنه ببساطة أنك مواطن مجهول الهوية، ذلك لأنه لا حق لك في الحصول على الوثائق التي تثبت هويتك، لكون السلطات المحلية غالبا ما ترفض منح شهادة «السكنى» لقاطني دور الصفيح بدعوى أنها غير مهيكلة...
وحتى إذا حصلت على بطاقة تعريف وطنية تتضمن عنوانا يشير إلى أحد الكاريانات، كطوما بسيدي مومن مثلا، فإن ذلك سيتسبب –لا محالة- في حرمانك من الوظيفة مهما كانت كفاءتك، ذلك أن هذا الكاريان أصبح عنوانا مشبوها –في نظر بعض المشغلين- والمنحدرون منه كلهم مجرمون وإرهابيون، ولن تنقصهم الأدلة والأمثلة المقنعة، بل المفحمة.
هذا نموذج لما تعانيه ساكنة دور الصفيح من أجل الحصول على الوثائق الإدارية: «والله ما تدي شهادة السكنى أو ما كونتي سيدي ومولاي»، إنها عبارات تحولت إلى لازمة تتكرر على لسان جل قاطني دور الصفيح و»البراريك» بمدينة العرائش، كتعبير منهم عن تعنت رجال السلطة وأعوانهم ورفضهم المستمر تسليمهم الوثيقة الإدارية الشهيرة: «شهادة السكنى»، خصوصا بالمقاطعات الحضرية التي تقع تحت نفوذها تلك الأحياء غير المهيكلة، بالرغم من ضرورة توفر هذه الوثيقة للحصول على كل الوثائق الشخصية من بطاقة تعريف وطنية وجواز سفر.
وحسب إفادات متطابقة استقتها «أخبار اليوم» من عدد من الراغبين في الحصول على الوثيقة الإدارية لـ»شهادة الإقامة»، حيث كانوا مكدسين بمدخل بناية المقاطعة الحضرية السادسة، التابع ترابها لأكبر التجمعات السكنية لقاطني البراريك بالعرائش، عبر الكثيرون عن استيائهم من حرمانهم من وثائقهم، الأمر الذي يضعهم في خانة «مواطن» من «درجة ثانية» أو «درجة دنيا»، وكأنهم مهاجرون سريون وصلوا بطريقة غير قانونية إلى أرض ليست أرضهم، ويخفضون أجنحتهم ويتوسلون من أجل الحصول على وثائق قد تمنحهم شرعية الإقامة القانونية، فيما عند كل استحقاقات انتخابية، يتم منحهم بطاقة «الناخب» لاستغلالهم ككتلة انتخابية. واستغرب العديد من المتضررين تعامل رجال السلطة بانتقائية مع طلبات «شهادة الإقامة»، بعد تمكن عدد آخر من الحصول عليها بطرق ملتوية ما دامت الوثيقة نفسها ممنوعة في وجه الجميع، حيث أكد عدد كبير من المحرومين منها وجود وسطاء ينشطون لفائدة بعض رجال السلطة وأعوانهم، دورهم الوحيد هو «التوسط «لكل راغب في الوصول إلى شهادة إقامته، إذ يبلغ ثمن الوثيقة أحيانا بين 5000 و6000 درهم، لكون التوفر على وثيقة «شهادة السكنى» يعد اعترافا في حد ذاته من لدن السلطة بالمعني، وهو ما يمنح حق الاستفادة من بقعة أرضية مساحتها 70 مترا مربعا، قد تصل تسعيرتها إلى 20 مليون سنتيم، في إطار محاربة دور الصفيح».
الإنسان والحيون والصرف الصحي يعيشون جنبا إلى جنب
فضاء يتعايش فيه الأطفال والبهائم والكلاب الضالة ومجاري الصرف الصحي المكشوفة

روائح كريهة، مستنقعات من المياه العادمة، أكوام الأزبال والقاذورات متراكمة وسط الأزقة المتربة.. أحياء ذات أزقة جد ضيقة ومحفرة، سحابات من الغبار تتناثر هنا وهناك، منازل يعلوها الآجر الأحمر غير مكتملة البناء ومشوهة المعالم، وأخرى بنيت على حافات عميقة القعر، ومياه الواد الحار تخترق بعضا من الدروب التي يصعب المرور منها، أطفال في جماعات يلعبون بكل ما جادت به مزابل أحيائهم التي نمت بسرعة البرق في هوامش المدن، حيث تغيب كل أنواع الحياة الكريمة.. تجمعات سكنية عشوائية دون مساحات خضراء أو فضاءات للعب الأطفال، وانعدام شبه تام للمرافق العمومية أو الفضاءات الشبابية التي يمكنها أن تكون متنفسا لأبنائها.. هذه المشاهد قواسم مشتركة بين كل الكاريانات التي قامت «أخبار اليوم» بزيارتها قصد إنجاز هذا الملف. فبهذه الفضاءات، تستوقفك أزقة ضيقة مغبرة صيفا وموحلة شتاء.‏ بالكاد يستطيع المرء عبورها راجلا. أبنية قصديرية هي أشبه بأكواخ تعلوها الصحون المقعرة الضخمة (البارابولات)، وفي الجانب الخلفي بنايات أقصر من قامة ساكنيها.. جدرانها من الطوب وسقوفها من الأخشاب وصفائح الزنك. تتحول هذه الأكواخ في فصل الشتاء إلى ثلاجات كبيرة، وتصبح شديدة الحر في فصل الصيف بسبب امتصاص صفائح القصدير لأشعة الشمس وافتقادها التهوية الضرورية وما ينتج عن ذلك من الرطوبة الشديدة، محولة إياها إلى مقابر جماعية تحوي جثثا متحركة، كما عبر عن ذلك أحد قاطني هذه الدور بقوله: «كما كتشوف راحنا عايشين هنا في أكواخ من الإسمنت، ولادنا ديما شاداهم الكحبة والرواح بسبب الرطوبة المفرطة». وتجنبا للحرج الذي يسببه خروج سكان مثل هذه الفضاءات إلى الخلاء من أجل قضاء الحاجة، يلجأ سكان الأحياء الهامشية إلى حفر مجار عشوائية لتجمع المياه العادمة عند عتبات الأكواخ، وذلك لانعدام الشبكات النظامية للصرف الصحي بهذه الأحياء. لكن ذلك يؤدي إلى تلوث البيئة وانتشار الروائح النتنة، ما يشكل مجالا خصبا لنمو الحشرات الضارة والقوارض وازدياد الإصابة بمرض الليشمانيا. ومن بين الملاحظات التي لا يمكن تجاهلها أن بعض سكان الكاريانات لا يولون اهتماما للنظافة، سواء نظافة الجسد أو المحيط الذي يعيشون فيه.
ويعزو محمد الصدوقي، الباحث التربوي، عدم اكتراث هذه الفئة بقيم النظافة تجاه الذات والمحيط البيئي والسكني، إلى تأثرهم بخصائص الطبيعة السكنية والمجالية لدور الصفيح.
ويوضح الباحث أن هذه الأحياء الهامشية لا تتوفر على قنوات صرف المياه العادمة، وتنعدم فيها خدمات بلدية تعنى بالأزبال والتنظيف وبالمجال الأخضر، ولا توجد بها خدمات صحية تعنى بصحة سكان دور الصفيح ومجالهم، بالإضافة إلى انعدام الشروط الصحية داخل السكن الصفيحي نفسه.. «كل هذا يجعل الوعي بنظافة وجمالية المحيط السكني مسألة مغيبة ولا تحظى بأولوياتهم واهتماماتهم، لأنهم ينشؤون في محيط سكني وخارجي غير نظيف وغير صحي أصلا».
مغاربة يعيشون في ظروف غير صحية

من فرط بؤس أحيائهم الصفيحية، يطلق عليها المغاربة تسميات غير تلك التي تضعها السلطات من قبيل «الشيشان» و»قندهار»

كانت الساعة تشير إلى منتصف النهار.. عدد من الأطفال يخترقون مزبلة على مشارف الحي خلال عودتهم إلى منازلهم بـ»كريان» الصبوني أو حي الأطلس، كما يطلق عليه المكناسيون حاليا.
أكوام من النفايات الصلبة لم تصل إليها شاحنات شركة النظافة لجمعها بسبب وعورة الطريق وضيق مساحاتها، لكن الأطفال حولوها إلى ملعب لكرة القدم، فأول ما يصادفهم بعد مغادرة حجرات الدراسة بمؤسسة تعليمية متسخة مزبلة شاسعة يرتفع كل يوم علو أكوام النفايات بها.
وغير بعيد عن هذه المزبلة، ومن حفرة الكاريان، الذي تنتشر فيه أعداد كبيرة من المساكن، تنبعث روائح مياه الصرف الصحي التي مازالت الجهات المسؤولة لم تجد لها طريقا إلى قنوات الصرف الصحي، إذ لم تسأم من ترديد لازمة مفادها أن هذه القنوات توجد في مرتفع يصعب معه مد المنازل بها، الأمر الذي يحول جانبا من الحي إلى وديان من مياه الصرف الصحي تنبئ بمشاكل بيئية وصحية خطيرة، خاصة مع حلول فصل الصيف.
أما في فصل الشتاء ومع التساقطات المطرية الغزيرة، فتتحول حياة سكان حفرة كريان الصبوني إلى جحيم حقيقي، إذ تغمر مياه الفيضانات المختلطة بمياه الصرف الصحي المنازل الأمامية وتحول جلها إلى مطمورات من المياه العادمة، إذ ذكر عدد من سكان الحي أن هذا المزيج الفريد من المياه والقاذورات يدمر ممتلكاتهم البسيطة من أفرشة وتجهيزات منزلية.
وبمدينة فاس، يعاني سكان الأحياء القصديرية، التي تلقب بأسماء مثل «الشيشان» و«قندهار»، من عدة مشاكل يأتي على رأسها غياب مياه صالحة للشرب، بحيث يجبر السكان على اقتحام الأحياء المجاورة العشوائية منها والمنظمة والتي تتوفر بها سقايات الماء التي تتكدس حولها النساء والأطفال لملء المياه في العبوات البلاستيكية وحملها لمسافات طويلة، تضطر بعضهم إلى ابتكار حلول من وحي محنة العيش أكثر منها حلول عقلانية، كأن يمد شبكة بطول يصل أحيانا إلى عشرات الأمتار من أجل تزويد منزله بماء الحنفيات العمومية، وهو ما تنتج عنه أحيانا صراعات ومشادات بين السكان.
وغير بعيد عن العاصمة العلمية للمملكة، تعيش قرابة 2000 أسرة نفس الوضع بالجهة الساحلية لمدينة الرباط، حيث يتكدسون في أكواخ ضيقة يطلق عليها دوار «الكورة»، وهو أقدم حي صفيحي بالعاصمة السياسية.
أكواخ عشوائية ضيقة لا يفصل بينها سوى زقاق ضيق لا يتجاوز المتر والنصف، تستغله الساكنة لنشر الملابس، هذه المساحات الضيقة تجعل من عملية التدخل، سواء من قبل الشرطة أو مصالح الوقاية المدنية، أمرا مستحيلا في حالة حدوث ما يستوجب ذلك، فتبقى العائلات وحيدة في مواجهة مصيرها، فعند اندلاع الحرائق، التي تعتبر لعنة بالنسبة إلى هؤلاء الناس، فإنهم يفقدون كل ما لديهم من أمتعة، الرخيص منها والغالي. «الحالة التي نعيشها ليست جيدة على الإطلاق، فعندما تهطل الأمطار تنفجر الأسلاك الكهربائية وتهدد حياة الناس»، قالت إحدى قاطنات الدوار الصفيحي، التي كانت تقف أمام باب مسكنها، ثم تابعت قائلة: «الله لي عالم بنا، ففي فصل الصيف لا ندخل المنزل حتى الساعة الواحدة ليلا لأنه يصعب تحمل حرارة المنزل بسبب سقف الزنك».
ولا يختلف الوضع أيضا بالنسبة إلى كارينات العاصمة الاقتصادية للمملكة، فالتهميش وغياب المرافق الضرورية والصحية هي التيمة المشتركة بين الأحياء الهامشية التي تحيط بهذه المدينة .
مشهد من حي صفيحي بالبيضاء ظهيرة يوم الثلاثاء الماضي. يومها، بدت أزقة الكاريان المتربة خالية إلا من أطفال وصبيان يلعبون بشقاوة وآخرون يتراكضون خلف كرة «مفشوشة»، ونساء منهمكات في تصبين الملابس ونشرها فوق حبال تربط بين الأكواخ المتقاربة.
تفرغ عائشة «القعدة» التي كانت مليئة بمياه الصابون وسط الزقاق فيعوم هذا الأخير وسط فيضان يحوله إلى بركة تعسر على المارة عبور الزقاق، لكن ذلك لا يمنع الأطفال من عبوره جيئة وذهابا غير آبهين بالأوحال...
تتجه عائشة (34 سنة)، ربة بيت وأم لطفلين، صوب بئر مكشوفة قبالة عتبة كوخها لتسقي منها مياها بغرض «تشليل» الغسيل.. لكنها سرعان ما بدأت في الصراخ معاتبة أولادا عمدوا إلى رمي أحجار وقاذورات داخل البئر.. قبل أن تضطر إلى تغيير الوجهة صوب بئر أخرى مكشوفة عند مدخل الكاريان، وهي تسب حظها العاثر الذي قادها إلى العيش وسط أناس لا يحترمون نعمة الماء. «هاد الما ديال البيار أصلا ميصلحش للشرب، كنخدموه غير في التصبين وغسيل المواعن..»، تشرح عائشة وهي تملأ أوانيها من مياه البئر المالحة، قبل أن تضيف مشتكية من غلاء فواتير المياه التي يزودهم بها وسيط يوزع عليهم الماء والكهرباء، حيث قالت قبل أن تنصرف لإتمام تصبينها: «حنا معندناش الكونتورات (العدادات) ولكن الما ديال ليدك كيجينا غالي بزاف..».

ماذا يملك سكان الكاريانات؟
من فرط بؤس أحيائهم الصفيحية، يطلق عليها المغاربة تسميات غير تلك التي تضعها السلطات من قبيل «الشيشان» و»قندهار»

بإنزكان وأيت ملول لوحدهما، مازالت حوالي 900 أسرة تعيش نفس وضع باقي سكان الكاريانات بالمغرب. وأنت تتجول بمنطقة الجرف ودوار الليل بإنزكان، أو دوار العرب ونواحي المزار بأيت ملول، تصادف العشرات من دور الصفيح متناثرة.. مناطق يرتفع فيها معدل الجريمة أضعافا مضاعفة عن باقي مراكز أكادير الكبير.
في زيارة «أخبار اليوم» لهذه المناطق، وقفت الجريدة على أغرب المتناقضات التي يمكن أن يعيشها مواطنون يقطنون أحياء الصفيح. فتيات يقطن بمنزل مكون من غرفة واحدة وشبه مطبخ، ويركن خارج «البراكة» أحدث الدراجات النارية من نوع «السكوتر»، والتي يتجاوز ثمنها 20000 درهم.
«سناء»، 28 سنة، التي تقطن بالجرف بإنزكان. تتحدث بعفوية للجريدة، وتقول: «لا يهمني أين أقطن، ما دمت أستمتع بحياتي كما أشاء.. وزايدون أنا لا أحضر هنا إلا لزيارة الوالدة والاطمئنان على صحة الوالد.. أترك لهم مالا يكفيهم للعيش دون مد يد الحاجة.. هم من يتمسكون بالعيش هنا، والمنزل لا يقطنه إلا والداي وأخي المقعد.. اكتريت منزلا من ثلاث غرف ومطبخ وحمام بحي السلام بأكادير، وأشتغل ليلا.. راك عارف، تقول في تلميح إلى تجارة الجسد».
دعتنا إلى الدخول إلى «المنزل» والوقوف على طبيعة العيش التي تتمكن من توفيرها لعائلتها. أريكتان فاخرتان تملآن البهو، وجهاز تلفاز بشاشة مسطحة معلق بأحد جدران المنزل، وثلاجة في أقصى اليسار، بجانب شبه حمام، له باب من ستائر رمادية، وباب يؤدي إلى غرفة نوم الوالدين. أخوها المقعد متسمر أمام التلفاز يشاهد فيلما أمريكيا اقتنته له أخته من بائعي الأفلام المقرصنة، المنتشرين بحي البطوار بأكادير .
لم يعر أي اهتمام لوجودنا. فأبطال أفلام الحركة ملاذه الأول والأخير، ومتعته التي لا يستغني عنها، كل الأثاث بالمنزل من الماركات الفاخرة. تطل الوالدة من الغرفة وتستعجل «عبد القادر» والد سناء للحاق بنا. امرأة قصيرة، في العقد الخامس من عمرها، تحمل وشوما على وجهها. تظهر أسنان صفراء من ابتسامتها العريضة، وتصر على تحضير كأس من الشاي المنعنع.
يصلنا سعال حاد من عبد القادر، ويلحق بنا، مسحة حزن عميقة تظهر على محياه. يطلب الإذن بالخروج لتدخين سيجارة، وأستغل الموقف للدخول معه في حديث جانبي.
«الله ينعل هاداك اللي وصلني لهاد الحالة»، هكذا يكرر، متحدثا عن رب عمله الذي تنكر له بعد إصابته بحادث شغل منذ أكثر من 15 سنة. «منحني تعويضا هزيلا، لا يكفي حتى للعلاج وشراء الأدوية.. اضطررت إلى بيع المنزل، وشراء هذا الصندوق من سكان البراكة المجاورة، بعشرين ألف درهم.. باقي المبلغ كنا نصرف منه على علاجي ومصاريف العائلة.. لم نتمكن من مسايرة إيقاع الحياة السريع، فترك أولادي الدراسة في سن مبكرة. ولولا ابنتي، التي تشتغل مع سياح أجانب كخادمة، وهم أحسن من «المروك»، على الأقل يدفعون لها أجرة محترمة، لصرنا في الشارع».
تلتحق بنا سناء، خوفا من افتضاح أمرها ربما، وتدعونا إلى الدخول. أعتذر وأنصرف متذرعا بضيق الوقت.
لصوص ومجرمون ومخدرات وعنف ضد الأصول

الانحراف في أوساط سكان الكاريانات

أكثر ما يؤرق ساكنة الكاريانات والأحياء الهامشية هو قلة الأمن وانعدامه في بعض الحالات، خاصة وأن هذه الفضاءات، التي أضحت تسمى بـ«أحزمة الطوق» الصفيحية، تعد مرتعا لتنامي الجريمة، حيث كشفت دراسات أنجزت حول الظاهرة عن وجود علاقة مطردة بين زيادة نسبة الجريمة وارتفاع الكثافة السكانية بأحياء البناء القصديري، التي تعاني ساكنتها الفقر والحرمان وكل المظاهر التي تخدش الكرامة وتدفع إلى الإحساس بالدونية و«الحكرة».
وتشير بعض التقارير إلى أن الأحياء الصفيحية تحولت إلى «أوكار للجريمة» بامتياز، بسبب صعوبة ولوج سيارات الأمن إلى المسالك الضيقة والملتوية التي تربط بين الأكواخ... لكنها في المقابل تعد مرتعا خصبا لباعة الخمور و»القرقوبي» والحشيش بالتقسيط، وعربدة المنحرفين المدججين بالسكاكين، حيث ينتشرون بشوارع المدينة خالقين الرعب بين ساكنتها، مما يساهم في تنامي جرائم القتل بالشارع العام.
واشتكى عدد من سكان الكاريانات التي زارتها «أخبار اليوم» من كثرة اللصوص و»البزناسا» الذين يروجون السموم في واضحة النهار، وذكر قاطنو دوار «المرجة»، على الخصوص، أنه يحظر عليهم التجوال ابتداء من السادسة من كل مساء، مشيرين إلى أن هذا هو التوقيت الذي يستيقظ فيه «قطاع الطرق» الذين ينشطون بالليل لتعاطي المخدرات والنشل والتسلل إلى الأكواخ، بينما يختفون في النهار.
وبسبب هذه الظاهرة، يضطر سكان الكاريانات إلى عدم ترك أكواخهم لحظة واحدة، حيث أكد المعنيون لـ»أخبار اليوم» أن اللصوص يتحينون الفرص للتسلل إلى الأكواخ، إما عن طريق رفع الصفائح القصديرية والقفز من السقف، أو الدخول من الأبواب بعد كسر الأقفال.
وقالت عائشة، إحدى قاطنات هذا الدوار العشوائي الذي يضم حوالي ألفي نسمة، إن أحد أبناء هذا الكاريان تسلل ليلا قبل أيام إلى كوخ -تقطنه امرأة وزوجها- عن طريق كسر قفل بابه الخارجي، لكنه سرعان ما قفل خارجا دون أن يتمكن من سرقة شيء بعدما انتبه إلى وجود الزوج.
وتساءلت عائشة مستنكرة تنامي هذه الظاهرة، قائلة: «لو أن الزوج لم يكن حاضرا، ورأى أحد السكان اللص خارجا من الكوخ، ألن يطعن في شرف هذه المرأة المسكينة؟».
من جهة أخرى، أشار عدد ممن التقت بهم «أخبار اليوم» بمختلف الكاريانات إلى تصاعد نسبة العنف ضد الأصول، وذلك إما عمدا أو تحت تأثير مرض نفسي أو مخدر.
وقالت العايدية، القاطنة بدوار «المرجة»، إن أصغر أبنائها (31 سنة) أذاقها الويلات وحوّل حياتها إلى جحيم، موضحة أنه كان يهددها دائما بالقتل إذا لم توفر له ما يلزمه لشراء مادة السيليسيون التي أدمن على استنشاقها.
وأضافت أنه يرفض البحث عن العمل رغم أنه متزوج وأب لثلاثة أطفال صغار لا يوفر لهم أبسط ضروريات العيش. وتدخلت زوجته، التي تبدو حاملا في شهرها السادس، لتقول إنها تعيش معه حياة قاسية بسبب رفضه تحمل المسؤولية كزوج وأب.
وتابعت العايدية بلهجة حزينة: «هو الآن في السجن يقضي عقوبة 6 أشهر بعدما تقدمتُ بشكوى ضده، وكلما زرته في السجن يهددني أنا وزوجته وأخواته بالتصفية حينما سيطلق سراحه في شهر رمضان المقبل»، هنا توقفت العايدية عن الكلام برهة لتمرر يدها على عينيها، ثم أضافت بصوت يغلب عليه البكاء وهي تضع يديها على صدرها وتحرك رأسها يمنة ويسرة: «فين غانعطي راسي يا سيدي ربي وهاد المسخوط غايقتلني».

أحياء الصفيح.. خزان الأصوات الانتخابية الذي لا ينضب
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي يشهده المغرب، تطفو قضية البناء العشوائي وأحياء الصفيح على واجهة الأحداث، ويعود سكانها إلى الواجهة.
يدفن سكان القصدير أحزانهم والوعود الوردية التي يتلقونها من قبل المرشحين بمشاهدة القنوات التلفزيونية الفضائية، بحثا عن عالم افتراضي يسافرون عبره بخيالهم، علهم ينسون حياتهم اليومية الصعبة.
المنتخبون الذين يخشون أن يمروا بالقرب من التجمعات الصفيحية بسياراتهم الفارهة خلال الأيام العادية خوفا من تعرضهم لمكروه في مناطق معروفة بارتفاع معدلات الانحراف والإجرام والعنف والدعارة، يتخلون عن غرورهم ويقلبون اتجاههم، بحلول الانتخابات، صوب الكاريانات.
يحف مدينة الدار البيضاء شريط من المساكن العشوائية المنتشرة في المناطق الضاحوية، ويروي لـ»أخبار اليوم» أحد النواب البرلمانيين، كيف أنه استطاع أن يظفر بأصوات انتخابية في دائرة كان الكثيرون يتوقعون مقاطعة سكانها لصناديق الاقتراع.
استعمل هذا البرلماني وصفة سحرية عندما قرر منازلة خصومه السياسيين في الميدان ومحاربتهم بما يسميه بـ»النابالم»، كيف ذلك؟
حرص النائب البرلماني على تمويل جمعيات بعد أن أوعز لمناصريه بتأسيس جمعيات لسكان الأحياء القصديرية، وضغط من أجل تمكين هذه الجمعيات من الحصول على رخصة «الربط الأزرق» من شركة «ليديك» للتزود بالماء والكهرباء، وبمجرد حصول الجمعية على الرخصة، يشتري المواسير ويشيد سقايات عمومية في كل كاريان، قبل أن ينتقل إلى الذي يليه.
وفي يوم الاقتراع، ظفر هذا النائب البرلماني بأصوات كثيرة فاقت كل التوقعات، وتمكن من هزم منافسين له أقاموا الولائم ووزعوا المال على الناخبين، وقد ظل البرلماني يتفاخر في المجالس بقدرته الخارقة على هزم خصومه السياسيين بتقنية «النابالم».
مدن الصفيح، التي يعتبرها الكثيرون بمثابة براميل بارود تحيط بالمدن الكبرى، تعتبر خزانا طبيعيا للأصوات الانتخابية، ويصبح قاطنوها، مع اقتراب موعد الاقتراع، محط عناية فائقة من قبل المرشحين. فتتحول «الكاريانات» إلى قبلة لأشخاص غرباء عنه، يباشرون الاتصال بالسكان، ويدّعون أنهم بصدد إحصائهم في أفق توزيع مساكن جديدة عليهم، مقدمين لهم الكثير من الوعود التي سرعان ما تتلاشى بعد مرور الانتخابات.
أما مراهنة المرشحين على سكان الكاريانات، فترتبط بعوامل موضوعية، فالفقر المدقع الذي يعيش فيه هؤلاء السكان يجعلهم عرضة للتلاعب بعواطفهم، ويمكن للمرشحين أن يمنوهم بالكثير من الوعود المعسولة، كالتدخل لدى السلطات لمنحهم بقعة أرضية ليشيدوا عليها منزلا لائقا، أو تشغيل فرد من الأسرة، أو منحهم أموالا للتغلب على صعوبات الحياة، يأتي ذلك مقابل التزام السكان بمنح أصواتهم للمرشحين في المواسم الانتخابية.

الكاريانات أعشاش لتفريخ الانتحاريين

لم يكن حي سيدي مومن الهامشي بالدار البيضاء ليشتهر عالميا لولا التفجيرات الإرهابية التي شهدتها العاصمة الاقتصادية للمغرب في 16 ماي من سنة 2003، فبعد أن ظل سكان هذا الحي الهامشي بعمالة البرنوصي يعيشون حياتهم اليومية على إيقاع البؤس ويتدبرون أمورهم كما اتفق، أصبح حيهم، بُعيد التفجيرات، محط اهتمام وسائل الإعلام العالمية التي وصفته بالحي الذي يفرخ الانتحاريين.
في هذا الحي الهامشي، الذي تحول إلى رمز لمعاقل المتشددين الدينيين، خصوصا من تيار «السلفية الجهادية»، تعمل الدولة جاهدة، منذ سنوات، على ترحيل سكانه من الأكواخ القصديرية إلى شقق إسمنتية شيدت في إطار مشاريع السكن الاجتماعي.
بيد أن المساكن القصديرية الواطئة مازالت تغطي مساحات شاسعة في حي سيدي مومن القديم، وحسب مصدر من مجلس المقاطعة، فإن أزيد من 24000 أسرة مازالت تسكن أكواخا قصديرية دون أن تتمكن السلطات من ترحيلها إلى شقق الإسمنت الجديدة.
أما شباب الحي، فصاروا بعد تفجيرات 2003، عندما يرغبون في إنجاز بطائق تعريفهم الوطنية، يفضلون تغيير محل سكناهم بعد أن صارت كلمة دوار» طوما» و»السكويلة» لعنة حقيقية تطارد العاطلين منهم الباحثين عن عمل في سوق الشغل.
يقول محمد، وهو رجل علت وجهه تضاريس حياة مليئة بالمعاناة والمشاق، إنه ظل يقطن بـ»كاريان طوما» منذ 40 سنة خلت، مضيفا أن بعض أبناء الجيران، قبل تفجيرات 16 ماي الإرهابية، كانوا مقبلين على الحياة قبل أن تظهر عليهم ملامح التدين فجأة، وصاروا يواظبون على أداء الصلاة في مسجد الحي الصغير الذي تظهر صومعته القصديرية.
وحسب هذا الرجل، فإن هؤلاء الشباب كانوا يطيلون لحاهم ويرتدون أقمصة طويلة تنسدل إلى حد الركبة، ويبدو أنهم وقعوا تحت تأثير جماعة سلفية متشددة ضللتهم وقادتهم إلى اقتراف ما فعلوه، في إشارة منه إلى إقدامهم على تفجير أنفسهم في خمسة مواقع بمدينة الدار البيضاء سنة 2003 ثم سنة 2007.
هكذا، أصبح حي سيدي مومن يشتهر بالحي الذي يفرخ الانتحاريين والشبان المتدينين الذين أصبحوا يطلقون لحاهم بعد أن تغيرت سلوكاتهم اليومية حيال أقاربهم، ولم يعودوا يسلمون عليهم بدعوى أن هؤلاء الأقارب غير ملتزمين بالدين.
ففي أحياء الصفيح، يمكن أن تنقلب حياة الناس بسرعة رأسا على عقب، ويتحول شبابه من طبع هادئ ولطيف مع الجميع، إلى القيام بسلوكات تنم عن التشدد، كرفض تحية النساء، وعدم السلام على الرجال الذين يحلقون ذقونهم على اعتبار أنهم يتشبهون بالنساء.

مجهودات الدولة للقضاء على أحياء الصفيح بالبيضاء

تتوفر الدار البيضاء على تصميم وظيفي لتهيئة وتنظيم الفضاء الميتروبولي، ومن المرتقب المصادقة النهائية على المخطط المديري للتهيئة والتنمية الحضرية، المنجز تحت إشراف الوكالة الحضرية للدار البيضاء، الذي يغطي الفترة الممتدة إلى 2030.
وأنجزت دراسات لـ33 تصميما للتهيئة الجماعية، وذلك للمصادقة عليها في أفق متم شهر يونيو الجاري.
وحسب مصدر من مندوبية وزارة الإسكان والتنمية المجالية، فإن الدولة عازمة على إعادة إسكان كل العائلات القاطنة بدور الصفيح، والتي يقدر عددها بحوالي 98.000 أسرة (30% من قاطني دور الصفيح بالمغرب)، والقضاء نهائيا على هذه الظاهرة، حيث إن 70000 أسرة تعيش في مساكن متلاشية أو آيلة للسقوط.
وتسجل جهة الدار البيضاء الكبرى حركة كثيفة في إعادة انتشار الساكنة في المجالات الضاحوية، التي استقبلت أكثر من 300.000 نسمة إضافية، بالنواصر، بوسكورة، ومديونة، بتزايد نسبته 10 % في السنة، وهو مؤشر هام على التحولات المجالية والديمغرافية التي أصبحت تتميز بها الدار البيضاء وجهتها، انسجاما مع توجهات التصميم المديري للتهيئة الحضرية، الذي فتح ما يناهز 25 ألف هكتار للتعمير.
وتواصل الوكالة الحضرية للدار البيضاء التابعة لوزارة الداخلية، إنجاز وثائق التعمير، وتتبع المشاريع في ميدان التأهيل الحضري وفتح مناطق جديدة للتعمير.
وانطلقت الدراسات الخاصة بإعداد تصاميم التهيئة الجماعية بالجهة منذ سنتي 2007 و2008. وقد تمت دراسة تصميم التهيئة المتعلق بالحي الحسني من طرف اللجنة التقنية المحلية، تليه أربعة تصاميم أخرى تتعلق بابن امسيك وسيدي عثمان وسباتة ومولاي رشيد.
وستقدم الوكالة الحضرية للدار البيضاء تصاميم التهيئة المتعلقة بعين السبع والحي المحمدي ثم سيدي البرنوصي وسيدي مومن، بعد برمجة فتح ما يقرب من 3800 هكتار للتعمير في الفترة الممتدة ما بين 2007 و2008.
وهكذا، انطلقت الأشغال ببعض الأقطاب الحضرية الجديدة، كمشروع القطب الحضري لسيدي مومن، ومشروع مدينة الرحمة، كما أطلقت أشغال المدينة المندمجة للهراويين، ومشروع القطب الحضري بالنواصر، إضافة إلى مشروع تهيئة مدينة زناتة الجديدة.

إعداد: الدار البيضاء: ميلود الشلح وعبد الواحد ماهر-أكادير