منذ انطلاق شهر رمضان، في الفاتح من غشت الماضي، يعيش المسلمون تحت رحمة طقس يتراوح بين الاعتدال والبرودة(باستثناء يومين قاربت فيهما الحرارة 29 درجة)،
الشيء الذي يتعارض مع مقاييس الحرارة الجهنمية التي عرفتها بعض المناطق في المغرب. وإلى زمن قريب، لم تكن أحوال الطقس أحد مشاغل الحديث بين مغاربة الضفتين. لكن التقلبات البيئية ودخول التكنولوجيا في مجال المعيش اليومي للصائم وضعا أحوال الطقس في قلب الحديث والتبادل، سواء على ال«سكايب»، ال«تويتر» أوال«فيسبوك». بنقرة كومبيوتر، يمكن للمغربي المقيم في مارسيليا التعرف على درجة الحرارة في مسقط رأسه بحد كورت! هذا على مستوى أحوال الطقس، أما على مستوى الأحوال السياسية، فإنه مقارنة بالسنة الفائتة التي عرف فيها شهر رمضان تداعيات مناخ سياسي إسلاموفوبي تميز بطرح النقاش في مسألة العلمانية من طرف جان-فرانسوا كوبيه، السكرتير العام لحزب الأغلبية الجمهورية، وخرجات مارين لوبان في موضوع إقامة المسلمين للصلوات في الأزقة، وتجمعات جمعيات اليمين الشعبي المناهضة للوجود الإسلامي في فرنسا، فإن رمضان هذا العام تميز نسبيا بنوع من الهدوء، باستثناء انعكاسات الهذيان الإجرامي للنرويجي أندرس بيرينغ بريفيك على النقاش.
شفافية الإسلام
في «الأحياء العربية-الإسلامية» مثل باربيص، وبعض المحاور في بيلفيل، ستالينغراد، كليشيه، أو بالقرب من المسجد الكبير لباريس الواقع بالمقاطعة الخامسة، وطبعا في الضواحي، في مدن مثل بوبييني، إيفري، جانفيلليه وغيرها من المدن، نجح المسلمون في خلق شعائر رمضان وفرض طقوسهم من دون ضوضاء. أما مشكل إقامة الصلوات في الشوارع، وخاصة بحي باربيص، فإن بلدية المقاطعة الثامنة عشرة وضعت رهن إشارة المسلمين ثكنة غير مستعملة لإقامة صلواتهم. كما أنه من المقرر أن تفتح بعض المساجد أبوابها لاستقبال المسلمين.
يبقى مشكل صورة الإسلام في الإعلام الفرنسي: لم نتخلص بعد من النظرة الإيكزوتيكية لرمضان، التي تلخصها بعض التحقيقات التلفزيونية في «تخمة الليل بعد جوع النهار»، وكذلك في العروض الوافرة على واجهات المتاجر من اللحوم، الفواكه، الخبز، التمور والحلويات...وكأن رمضان لا يعدو كونه مسألة بطن! لكن الإسلام الذي يبقى أحد شواغل فرنسا نجح في إنجاز اختراقات هامة على أكثر من صعيد: على صعيد الشفافية. وحتى إن كان الخطاب المهيمن خطابا إسلاموفوبيا، فإن اللاوعي العام مسكون بهذه الديانة. المكسب الثاني الذي حققه المسلمون هو تخلصهم من الخوف والحشمة، بلجوئهم إلى القانون في وضعيات التحرش والعنصرية، مع تشكيلهم شبكات إعلامية من قنوات تلفزيونية ومواقع إنترنت ومدونات، وتنظيمهم لقاءات سنوية مثل اللقاء السنوي لتجمع مسلمي فرنسا بالبورجيه، الذي ينظمه تجمع المنظمات الإسلامية بفرنسا. وقد انعكس هذا الوضع على شعائر رمضان.
الإفطار المتضامن
تعزز خلال رمضان هذا العام حس التضامن في أوساط المنظمات غير الحكومية والجمعيات الإسلامية بهدف توفير إفطارات جماعية على شاكلة ما تقوم به الجمعيات الخيرية الكاثوليكية في فصل الشتاء بتوفيرها الخيام والأكل والمبيت لمن لا مأوى لهم. تستند هذه الجمعيات على تعاليم الإسلام في الإخاء، العون والتضامن بين المسلمين، لكنها تنهل أيضا من فلسفة إنسانية تقوم على مبدأ المؤازرة، بمنأى عن الجنسية والدين. هذا ما تعمل به منظمة الغوث الإسلامي بفرنسا. إذ عند مخرج محطة ميترو سان-دونيه بضاحية باريس، نصبت المنظمة خيمة توزع فيها يوميا 350 وجبة إفطار. قبل الآذان، يتشكل طابور يتكون ليس فحسب من الصائمين المسلمين، بل يشمل أيضا معوزين من جنسيات أخرى. يختلط المهاجرون السريون الوافدون حديثا من تونس وليبيا بالأفارقة والروم. تقدم وجبات إفطار من التمر، الشوربة، الأرز، الدجاج، الفواكه. وتتطوع سيدتان منذ العاشرة صباحا لإعداد وجبات الفطور. بمعزل عن ديانة الأشخاص وأصولهم، تحولت الخيمة إلى ملتقى لتعايش مؤقت لشريحة مرشحة في كل وقت وحين إلى الرمي بها في «فوركونات» البوليس. كما يتردد الطلبة أو العازبون من الرجال على هذه المطاعم.
وليست جمعية الغوث الإسلامي هي الوحيدة التي تنزل إلى الميدان خلال شهر رمضان لتوفير إفطار وعشاء للاجئين والمشردين، بل هناك جمعيات أخرى تنشط من خلال إطلاقها «مطاعم التضامن» والتصدي للإقصاء الذي تعاني منه الشرائح المعدومة. كما تقام وجبات إفطار في المجمعات العمالية للمهاجرين، علاوة على توزيع بعض الجمعيات «طرود رمضان» على السجناء المسلمين. وتنشط جمعية «لايف» خلال هذا الشهر لتخفيف وطأة العزلة عن المساجين بإرسالها الكتب والمواد الغذائية. في عدة مدن أخرى مثل ليون، روباي، ليل بشمال فرنسا، تكلفت المساجد بتنظيم وجبات الإفطار الجماعي. كما أن أصحاب المتاجر يساهمون في ميزانية إعداد الفطور دون الحديث عن تطوع النساء لإعداد الوجبات.
تتعارض أجواء رمضان في المقاطعات الشعبية العربية أمثال باربيص، بيلفيل والضواحي مع أجواء جادة الشان-إيليزيه التي يؤمها سياح الخليج للتسوق من متاجرها الفاخرة، وهي أجواء تفوح ليس بروائح الحريرة أو الشوربة، بل بروائح الأورو والدولار. أما حلوى «الشباكية» فلا أحد يجرؤ على عرضها هنا!.
الأحداث الدامية ضيفا على الموائد
أمام موائد الإفطار، حلت المذابح، التي يتعرض لها الشعب السوري، وزحف الثوار على معاقل القذافي، ضيفا على تعاليق الصائمين. كيف يشرع طاغيتان في شهر الحرام للعسكر بتقتيل إخوانهم المسلمين؟ هذا من بين الأسئلة التي تتكرر في التعاليق لدى متابعة الأخبار على القنوات الدولية، وخاصة العربية. إلى هذه المأساة وجب إضافة مأساة أخرى، ألا وهي الوجبات الرمضانية التي قدمتها القناة الأولى وقناة دوزيم، التي ذاق مرارتها الصائمون المغاربة، فالضحك المتواصل الذي تعرضه بعض البرامج هو بمثابة عقاب للصائمين. أصبحت التلفزة المغربية، التي من المفروض أن تكون نافذة «المغرب الجديد» على العالم ونافذة مغاربة العالم على بلدهم، مرآة تيئيس وإحباط. لاستقطاب مغاربة العالم، يجب اليوم كسب الرهان الإعلامي عبر برامج لا يشعر فيها المتفرجون أنهم قردة جامع الفنا!
ومن بين المبادرات التي ترافق شهر رمضان هناك الإفطار الجماعي، الذي ينظمه بيرتران دولانوييه، عمدة باريس، ثم الحفل الموسيقي الذي تحييه «لاسيتي دولافيلات»، باسم «الرمضام الكبير»، وتعني كلمة «رمضام» بالفرنسية الهرج. وتشرف وزارة الثقافة على هذا الحفل، الذي استقبل فيه الجمهور العام الماضي فرديريك ميتران بالصفير طالبا منه إخلاء الساحة: «ديكاج». نسخة هذا العام تقام في 27 من غشت، وضمن البرنامج، باستثناء مجموعة «روح» للموسيقى الصوفية، لا أثر للأصوات الفنية المغربية. على مستوى المصاريف فرمضان هذه السنة مكلف مقارنة بالسنة الماضية، ويلاحظ تأثير الأزمة الاقتصادية على الطاقة الاستهلاكية للمسلمين، الذين تلجأ الغالبية منهم إلى حلول غير مألوفة لمراوغة الأزمة، خصوصا أنه بعد رمضان، ستواجه العائلات مصاريف الدخول المدرسي والجامعي للأبناء والبنات. ومن أشكال «البريكولاج» الذي استحدثته بعض العائلات المغربية الإفطار الجماعي بالتناوب بين الجيران تبعا لنظام الاشتراك، من خلال تكوين ميزانية موحدة بين عائلتين أو ثلاث عائلات. إنها تجربة جديدة في سياسة التضامن.
حلال-غيت
أحد أوجه التحول التي يعرفها مسلمو فرنسا هي قدرتهم اليوم على ممارسة النقد الذاتي وفضح الانزلاقات التي يمكن أن تؤثر على صورتهم وعلى صورة الإسلام. تتدخل الجمعيات والمؤسسات الإسلامية لما يتعلق الأمر بالتطرف الأعمى أو العنف أو السرقات، التي يمارسها البعض، للتنديد، رسم الحدود والقيام بدور المرشد. لا يزال المسلمون في بداية المشوار. لكن المؤكد أنهم استفادوا من عدوانية خصوم الإسلام. يبقى الرهان مطروحا مع أعداء الداخل، الذين يسيئون إلى سمعة الإسلام في فرنسا وفي أوروبا. إنهم المتاجرون في اللحوم الحلال، التي يكتشف فيما بعد أنها مغشوشة! المعروف أن سوق الحلال تدر سنويا أرباحا تقدر بخمسة مليارات من الأورو. الشيء الذي يفسر تهافت المتاجر الكبرى للتحكم في هذا السوق أو الحصول على قسط من الكعكة على الأقل. وقبل أسبوع على حلول رمضان تخصص هذه المتاجر الكبرى أجنحة خاصة لعرض المنتوجات الغذائية الرمضانية. كما تعرف فرنسا، التي تحتضن أكبر جالية إسلامية في أوروبا، ثورة إشهارية وإعلانية لهذه الصلصة أو تلك العجينة، هذا المشروب الغازي أو ذاك الصنف من «الصوصيص» الحلال.. وكانت آخر صرعة هي البيرة الخالية من الكحول التي طرحتها مؤخرا شركة كوكاكولا باسم «تيميلت» Tumult، والتي تقوم بالدعاية لها في بعض المواقع الإسلامية مثل موقع صفيرنيوز. هكذا دخلت الماركات «حلال»، الممثلة لكبريات الشركات، في منافسة مسعورة لاستقطاب أذواق وجيوب المستهلكين مثل شركة «زفير»، وشركة «زكية» التابعة لمجموعة «فيريكو»، وهي في ملكية شركة بانزاني. كما دخلت على الخط الماركة الفرنسية الأولى لبيع الدجاج LDC ، بتسويقها لمنتوج بعنوان «ريغال-حلال». والمنافسة اليوم على أشدها بين الشركات التي تتحكم في السوق «حلال» لأن الرهان لا يتعلق في هذه الحال بالمعتقد واحترام الشعائر، بل هو قضية أموال ضخمة تقارب سنويا خمسة مليارات من الأورو. لكن اللحم الحلال، بالأخص، لا يزال موضوع خلاف بين المسلمين، لكونه مشكلا اقتصاديا، هيكليا، وأخلاقيا. ولم تفلت نسخة رمضان لهذا العام من السجال الساخن الذي يرافقه منذ سنوات. ويعرف اليوم «حلال غيت» باسم الفضيحة، بل الفضائح التي انفجرت مؤخرا على خلفية تورط شركات تسوق لحوما غير مذبوحة طبقا للشعائر الإسلامية. وتوجد في عين الإعصار شركة «سوكوبا» المنتمية إلى مجموعة «بيغار»، عملاق إنتاج اللحوم الفرنسية، التي تسوق منتوجاتها لمجموعة كازينو. وهي نفس الشركة التي تنتج مواد «وسيلة». بعد الفضيحة أفسخت مجموعة «كويك» للمطاعم السريعة، التي تقدم وجبات حلال، عقدها مع المجموعة، مما يشكل ضربة اقتصادية موجعة لمجموعة «سوكوبا». لكن بدل أن تعترف «سوكوبا» بأخطائها فضلت الهروب إلى الأمام بنشرها بيانا صحافيا على موقع مسجد إيفري. لكن هذا البيان ما لبث أن اختفى بسرعة تحت ضغوط حملة قادها المستهلكون المسلمون، الذين أشاروا إلى أن لحوم مطاعم «كويك» للوجبات السريعة ليست ولم تكن لحوما حلالا. ويشير بيان مسجد إيفري إلى أن شركة «سوكوبا» انخرطت منذ سنوات في إنتاج وتسويق منتوجات تستجيب لمتطلبات الطقوس الإسلامية.
يضمر هذا السجال بتداعياته صراعات سياسية (التحكم في المساجد) ومالية (التحكم في الثروات التي تدرها المنتوجات الحلال وخاصة اللحوم). في ظل هذا الوضع الذي يتناحر فيه أكثر من طرف حول اللحم الحلال، تأتي حكاية العربي الكردي، الملقب ب«المعزة» لتلقي الضوء على أحد التوجهات الاستهلاكية التي قد ينخرط فيها المسلمون مستقبلا، ألا وهي ظاهرة التحول إلى الطور النباتي Végétarien.
منذ صغره، كان العربي «مهاوش» على اللحم. لم ينس التحلق الجماعي حول صحن الكسكس، حيث كان والده يوزع باللاتساوي، وحسب السن، على الأبناء «طريفات ديال اللحم»، مع احتفاظه طبعا بالنصيب الأكبر ! وقد خامرته فكرة أن يصبح جزارا ليشبع غليله من «الدوارة» والمخ و«الكرعين»، لكن الرياح نقلته لما كبر إلى الديار الفرنسية ليعمل لحاما (سودور) في معامل شركة بيجو. في جانفيلييه، مكان إقامته، أشفى غليله من الخيرات المتوفرة دون الاهتمام بأصول الأغنام، هل هي إرلندية، هولندية أو فرنسية. ما كان يهمه هو أن تكون المجزرة إسلامية. وفي أحد الأيام، تشاجر مع الجزار الذي هدده بسلخه مثل معزة ! كان ذلك كافيا بأن يقلع نهائيا عن أكل اللحوم.
وبدت النتيجة بعد أسبوع على وضعه الصحي: هبوط في مستوى الكوليستيرول، فقدان الوزن، وأهم شيء تصالح العربي مع النوم، إذ كان لا ينام من قبل أكثر من خمس ساعات. ولما حل في الصيف عند أهله لقضاء العطلة معهم، انتفض القوم ليذبحوا كبشا بمناسبة قدومه. لكنه أثناهم عن الفكرة ليفسر لهم بأنه أصبح «نباتيا». لم يتمالك الحاضرون أنفسهم من الضحك بسخاء لما توجه له والده ساخرا: «وليتي يا وليدي معزة؟ سيرو جيبو ليه لحشيش يتقوت منو !». لم يمنعهم ذلك من ذبح الكبش. وفيما تحلقوا حول المائدة لأكل «بولفاف» قبل الانتقال إلى التهام الراس، اكتفى العربي بوجبة مشكلة من «الحريكة» و»الخبيزة». فماذا لو أخذ المغاربة العبرة من العربي ليصبحوا نباتيين؟.