أحضرت رئيسين لوزراء إيطاليا إلى المغرب ونظمت تظاهرة اقتصادية شاركت فيها 83 شركة إيطالية كبرى في مراكش

أحمد الحلبة السميري، المناضل الأممي الذي قدره العالم, أول مغربي قائد ضمن الفرقة 17 في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، جالس كبار الساسة والمناضلين العرب وتنقل بين فلسطين
وفرنسا وإيطاليا والعراق والجزائر، شارك في أحداث 20 غشت 1955 التي شهدتها مدينة وادي زم وعمره 15 سنة، وأصيب خلالها بجرح، قبل أن يجد نفسه بعد سنوات معتقلا في درب مولاي الشريف رفيقا لمحمد الفقيه البصري سنة 1963. رحل إلى الجزائر ومنها إلى فرنسا، ثم انتقل إلى إيطاليا قبل أن ينخرط في صفوف المقاومة في فلسطين المحتلة، وهناك تعرف على كبار رموزها ونسجت بينه وبينهم صداقات متينة، فقد كان صديقا لياسر عرفات وكثير من قادة منظمة التحرير، وجليسا لصدام حسين ومستشارا له، ومفاوضا لإيطاليا لدى الخميني عقب الثورة الإسلامية، وصديقا لزعماء إيطاليا ومفكريها، أما لائحة أصدقائه من المفكرين والشعراء فهي طويلة، ومنهم نزار قباني، أدونيس، محمود درويش، محمد أركون، الفيتوري، جمال الغيطاني، لطفي الخولي، إيميل حبيبي.. يتحدث إلى «المساء» في كرسي الاعتراف عن رحلته الحافلة ونجاته من عدة محاولات للاغتيال، قبل أن يتنكر له بعض أبناء الوطن ولتاريخه الكبير وتتم إهانته باعتقاله وتلفيق تهمة دنيئة له، قضى على إثرها ثمانية أشهر في عتمة السجن قبل أن تتم تبرئة ساحته في انتظار رد الاعتبار إلى شخصه.
- ذكرت سابقا رومانو برودي، هل تقصد رئيس وزراء إيطاليا السابق؟
نعم، وهو شقيق صديقي الحميم فيكتور برودي في مدينة بولونيا. نعرف بعضنا منذ بداية السبعينيات حال التحاقي بإيطاليا رفقة ألبا.. حينها، كان رومانو برودي من شباب اليسار في المدينة، وتعرفنا خلال اللقاءات التي كان ينظمها الحزب الشيوعي آنذاك للخبراء الاقتصاديين، وهو من كبار السياسيين النزهاء في إيطاليا إلى درجة أنهم يلقبونه هناك بالبروفيسور، وهو اليوم يقود ائتلاف المعارضة ضد برلسكوني. وقد توطدت علاقتي به من خلال شقيقه فيكتور برودي، الذي سبق له أن زارني حوالي ثلاث مرات في بيتي هنا بمدينة وادي زم. وعندما سأل دانتي كرويكي، المنتمي بدوره إلى مدرسة اليسار، رومانو برودي، رئيس الوزراء الإيطالي السابق ورئيس المفوضية الأوربية خلال خمس سنوات، حول ما كنت قد حدثته به، كانت أجوبة هذا الأخير (رومانو) حينها وشقيقه فيكتور عن أسئلة رئيس الاتحاد العلمي للمدن الشهيدة دقيقة، وطلبا منه الوثوق في ما أقوله له، لذلك عندما زار كرويكي المغرب، وخصوصا مدينة وادي زم، ووقف على حقيقة الأوضاع في البلد، والتقى حينها ببعض المنتخبين عن اليسار في مدينة وادي زم، وعلم بأن هناك تعددية حزبية في المغرب، غيّر نظرته المشحونة بالمغالطات المضمنة في التقارير التي كان يتلقاها من الجانب الجزائري، المؤيد الأكبر للبوليساريو، وهكذا أصبح دانتي كرويكي، رئيس الاتحاد العالمي للمدن الشهيدة، صديقا حميما للمغرب، وخسر البوليساريو والجزائر صديقا وفيا ومدافعا قويا عن أطروحاتهما في المحافل الدولية. ويكفي أن أذكر أنه كان قد ترأس شخصيا المؤتمر الدولي الذي سبق أن تحدثت عنه في بولونيا سنة 1984، والذي شهد قيامي بتلك العملية التي حصلنا خلالها على كل وثائق المؤتمر.
- هل كان الشقيقان برودي ودانتي وكرويكي هم كل الشخصيات التي استضفتها في المغرب؟
لا، فقد كنت وراء قدوم رئيسين سابقين للوزراء وحلولهما ضيفين على المغرب، رغم العلاقة الوطيدة التي تربط الجزائر بإيطاليا، وقد ذكرنا سابقا أن اليسار الإيطالي كانت له علاقة قوية بالجزائر، بالنظر، من جهة، إلى أن الدبلوماسية الجزائرية كانت نشيطة جدا في إيطاليا، خصوصا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وبالنظر، من جهة ثانية، إلى الروابط الاقتصادية القوية بين إيطاليا والجزائر، ويكفي أن نذكر هنا أن أنابيب الغاز الجزائري تصل إلى مدينة بولونيا المعروفة بكونها مدينة يسارية وأنجبت العديد من رؤساء الوزراء الذين حكموا إيطاليا في العقود الأخيرة.
- من هما رئيسا الوزراء الذين استقدمتهما إلى المغرب وفي أي إطار كان ذلك؟
استقدمت ماسيمو داليما، رئيس الوزراء السابق، الذي تولى رئاسة الوزراء بعد رومانو برودي، وقد تكلف السفير المغربي لاحقا في سوريا والنائب البرلماني حينها عن الاتحاد الاشتراكي، محمد الخصاصي، بالتنقل مع ماسيمو داليما في رحلة زيارته للمغرب. وأتذكر أنه عند محاولتنا حجز بطاقتي سفر إلى العيون، كانت كل الرحلات ممتلئة عن آخرها، فربطنا اتصالات بمسؤولين مغاربة وفّروا مروحية تابعة للدرك الملكي للقيام بالرحلة على متنها. وخلال تلك الزيارة للعيون التي كان فيها محمد الخصاصي وماسيمو داليما، عاين هذا الأخير، المنتمي بدوره إلى اليسار الإيطالي، حقيقة الأوضاع في العيون وزيف الادعاءات التي تنقلها وسائل إعلام الجزائر ومؤيدو البوليساريو من كون مدينة العيون صحراء قاحلة مليئة بالمخيمات. وهناك في العيون، التقى ماسيمو الجنودَ العائدين المغاربة من جحيم البوليساريو، فوقف مشدوها أمام حجم المعاناة والمآسي الحقيقية التي قاسوها تحت الأسر في مخيمات الذل والعار بتيندوف، بعد أن روى له المحتجزون سابقا هناك ما كانوا يتعرضون له من إذلال، ناقلين إليه واقع الحال في مخيمات تيندوف بالجزائر، وهي الحقيقة التي جعلت ماسيمو داليما يخاطبني فيما بعد قائلا: «من العار ألا تعرف دبلوماسيتكم كيفية «تسويق» هذه المآسي ووضع العالم في الصورة الحقيقية لما يقع في مخيمات البوليساريو».
- هل كان رومانو برودي هو رئيس الوزراء الثاني الذي جلبته إلى المغرب؟
لا، رومانو برودي لم يأت إلى المغرب بوساطة مني، ولكن الذي جاء بوساطة مني كان جوليو أندريوتي، رئيس الوزراء في مرات عديدة وأحد كبار السياسيين في إيطاليا منذ الستينيات قبل أن يتولى في السبعينيات رئاسة الوزراء في مناسبتين، ثم لفترة ثالثة في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، ويعتبر من كبار الرموز السياسية في إيطاليا، وكنت قد أحضرته إلى المغرب بناء على رغبة من اليوسفي الذي طلب مني القيام بوساطة من أجل مجيئه.. حيث اتصلت به وأقنعته بزيارة المغرب والاطلاع على تجربة قيادة حكومة التناوب ومشاركة اليسار فيها، ممثلا في حزبي الاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية. وفعلا، جاء جوليو أندريوتي برفقتي وجلس إلى اليوسفي مطولا، في مقر الوزارة الأولى آنذاك. وأعتقد أن الزيارة كانت أشهرا قليلة قبل الانتخابات البرلمانية الأولى التي شهدها المغرب في عهد الملك محمد السادس، والتي ستقود بعدها إدريس جطو إلى رئاسة الحكومة.
- هل اقتصرت مهماتك على جلب السياسيين فقط إلى المغرب من خلال استثمار ماضيك في إيطاليا؟
لا، لم أقتصر على جلب السياسيين فقط، ففي سنة 2003 اتصلت بأصدقائي في الحزب الشيوعي، ونظمنا تظاهرة اقتصادية كبيرة احتضنتها مدينة مراكش.. تكفلت بالتمويل الكامل لها الجهة المشاركة فيما لم تساهم الجهة المستقبلة، وهي جهة مراكش الحوز التي كان رئيسها حينها هو عبد العالي دومو، بأية مساهمة سوى تخصيص فضاء لاحتضان التظاهرة التي كان مشاركا معنا في تنظيمها محمد الخصاصي، ومن إيطاليا شارك عدد من الوزراء، بالإضافة إلى كبريات الشركات الاقتصادية الإيطالية وكبار المستثمرين. ويكفي العلم بأن حوالي 83 شركة إيطالية كانت حاضرة في تلك التظاهرة الاقتصادية، التي استمرت أربعة أيام في قصر المؤتمرات بمراكش، لتعرفوا حجم ذلك الحدث الاقتصادي.
- تتحدث بحب كبير عن مدينة وادي زم، ما نصيبها من تجربتك وعلاقاتك؟
الحديث عن مدينة وادي زم، التي تربيت فيها وأحببتها كثيرا، وكذلك عن مدينة خريبكة، حديث حزين ويشعرني بالمرارة دوما، فقد حاولت مرات كثيرة أن أجلب إليهما مشاريع اقتصادية مهمة، لكن تلك المشاريع، سواء الموجهة منها إلى وادي زم أو إلى خريبكة، كانت تعترضها دوما عقليات لا تريد الخير لهذا البلد، فقد جلبت إلى مدينة خريبكة قبل سنوات مشروعا بيئيا متكاملا قدرت تكلفته بحوالي 10 ملايين أورو، وهو المشروع البيئي «أفيزو»، غير أنه سيتم إجهاضه من طرف رئيس المجلس البلدي السابق لمدينة خريبكة المعزول والعامل السابق لنفس المدينة، بالإضافة إلى العديد من المشاريع الاقتصادية الخاصة بي والتي كانت دوما تلاقي الرفض من المسؤولين، محليا وجهويا، وهو ما جعلني أستغرب دوما طريقة التدبير في هذا البلد وطريقة تفكير المنتخبين ومسؤولي السلطات المحلية في إقليم وادي زم. ولعل الشيء الوحيد الذي نجحت في جلبه إلى المدينتين هو المثقفون من أمثال أدونيس والفيتوري وجمال الغيطاني، وغيرهم، علاوة على تمكني من إدخال مدينة وادي زم إلى قائمة الاتحاد العالمي للمدن الشهيدة، وهي كما ترون مشاريع ثقافية, لذلك أزداد اقتناعا كلما مر الزمان بأن مسؤولي مدينتي وادي زم وخريبكة اقتنعوا بمشاريعي الثقافية بينما حاربوا مقترحاتي الاقتصادية.