قال تعالى: "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ". يعني أن الرجوع إلى العلماء يكون في حالة عدم العلم والجهل بالشيء. أما في حالة العلم والاستيقان من الشيء، كيف نعود إلى العلماء طالبين الفتوى لتحليل ما حرم الله؟ كيف نجعل من الزمان والمكان والظروف أداة نحل بها ما حرم الله؟ كيف نسكت الحق حين يقال لنا من أفواه أناس عاديين ونحاول طلب البطلان من أفواه العلماء؟
أنا بهذا المقال لا ألعب دور الداعية الإسلامية.. ولا يهمني ما سيقال.. المهم أني سأبلغ أمرا أراه تفشى في مجتمعنا لدرجة عظيمة. والخطير في الأمر والمزعج فيه والباعث على الخوف من غضب الله، أن البعض بدأ يجادل في حرمته ويحاول إيجاد الأسباب لتبريره واستحلاله. وهذا أمر خطير جدا. أمر بالغ الخطورة. فطالما نقر بالحلال حلالا وبالحرام حراما مهما فعلناه فإن الله يفتح دائما طريقا إلى التوبة. أما حينما نبدأ في المجادلة في الحلال والحرام، هنا الأمر بلغ مداه ومنتهاه.
فقد شعرت بالرهبة والخوف واقشعر بدني حين بدأ البعض يجادل في حرمة الربا. وأحسست وكأن غضب الله سيطبق علينا السماء. حذاري إخواني. نعلم أن كثير منا عصاة ونسأل الله في هاته العشر الأواخر الهداية والعافية والعفو، لكننا نقر بذلك ونخنع الرؤوس وننزعج من أنفسنا وممن يلومنا على ذلك رغبة منا في إصلاح أمر نفوسنا حتى ينصلح ديننا؛ لكن أن نجادل في الحق ونحلل ما حرم الله، هذه بداية النهاية...
الموضوع
أصبح البعض يجادل في الربا وكأننا نجادل في نمص الحواجب، هل النمص هو نقص بعض الشعيرات، أم تغيير شكل الحاجب أم إزالته كاملا وإعادة رسمه. وكأن الربا نزلت في حديث مكروهة، بينما هي محرمة فصلا وقطعا في آيات بينات محكمات لا جدال فيهن:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ.
ومعنى ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مومنين، أي من كان يؤمن بالله ورسوله ويلتزم بأوامره ويبتعد عن نواهيه، وكان يتعامل بالربا ويقرض الناس بالفوائد، فيلترك وليدع عنه ما بقي من الفوائد مباشرة بعد نزول الآية دون جدال، "سمعنا وأطعنا"، وإلا فليأذن بعقاب من الله. ومعنى إن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون أي إن تبتم من التعامل بالربا خذوا ما أقرضتم الناس من مبالغ دون زيادة ولا نقصان.
وهذه الآية دليل قاطع على أن التعامل الربوي حرام، وأن القروض الربوية حرام. وأن من كان يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر، ولم يملك أن يشتري بيتا، لا يمكن أن يضع في خططه وأفكاره إمكانية الاقتراض من بنك ربوي، لأن هذا حرام، وإنما يمتنع عن ذلك ويقر بعدم قدرته على اقتناء بيت ويحمد الله. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيرا عاش في المدينة المنورة مع زوجاته في بيوت صغيرة لصغرها كانت تسمى "الحجرات"، وكان إن أصبح ولم يجد ما يبل بيه ريقه ويطفئ جوعه قال نويت الصيام.
****
هناك من العلماء من أفتى بشراء البيت من البنك مباشرة، بعد أن يشتري البنك البيت من صاحب البيت، فيبع البنك البيت بثمن أكثر وبهذا لا تسمى أرباحه فوائد وإنما يكون البيع والشراء حلالا طيبا. وهذا يتم إن ذهب المشتري مباشرة إلى البنك وسأله عن ثمن البيت، وحدد المشتري بينه وبين البنك الثمن والأقساط ومدة الدفع.
أما أن يذهب المشتري عند صاحب البيت ويسأل عن الثمن، ثم يذهب إلى البنك ويطلب منهم شراء البيت بأكثر من ثمنه، ثم يعيد شراءه هو من عند البنك ليسمي هذا بيعا حلالا، فهذا هو التلاعب بالدين. كأصحاب السبت من بني إسرائيل الذين حرم عليهم الله تعالى الصيد يوم السبت، فأخذوا يرمون بأشرعتهم يوم الجمعة فتمتلئ بالحيتان يوم السبت ويجمعونها يوم الأحد، فجعلهم الله قردة وخنازير.
البيع الحلال هو أن تشتري مباشرة من عند البائع البضاعة بالثمن الذي يحدده البائع وبالأقساط والمدة التي يحددها للدفع، دون فوائد ودون أن يزيد ثمن البيع إذا تأخر الدفع.
قال تعالى: "الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ" سورة البقر
وهل بعد هذه الآية من جدال. وهل بعد هذه الآية من أعذار.هل بعد هذه الآية من استفسار.وهل بعد هذا التحريم الصريح من زمان أو مكان أو ظروف تحل ما حرم الله؟
****
لقد نزل هذا الدين منذ 14 قرنا، وهناك من لا زال يجادل فيه كما جادل المنافقون الأنبياء في ما حرم الله وأحله ولم يرضوا بما أنزل الله من شرائعه. وهناك من يبحث لنفسه عن أعذار فيقول في كل أمر هيا نذهب نسأل العلماء؟ أتسأل العلماء في كل أمر وشأن بين والله أعطاك عقلا وقلبا يفهمان ويعينان. قال صلى الله عليه وسلم: "إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور متشابهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" رواه البخاري ومسلم.
ومعنى الحديث، أن ما أحل الله بآيات محكمات بين واضح، والأصل في الأشياء أنها حلال، إلا ما حرم الله بآيات واضحات محكمات يجب اجتنابها والحذر من التلاعب بها، وبينهما أمور متشابهات لا يعلم حكمها إلا قليل من الناس ممن آتاهم الله الحكمة البالغة، هذه الشبهات علينا اجتنابها.
قال الإمام ابن دقيق العيد في شرح الحديث، كالراعي يحوم حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وأصله أن العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها ويخرجون بالتوعد والعقوبة لمن يقربها، فالخائف من العقوبة يبعد مواشيه عن ذلك الحمى. فالحذر أن يجعل بينه وبين ذلك الحمى مسافة يأمن فيها اقتراب مواشيه منها. وهكذا محارم الله.
بعبارات أخرى، على المسلم أن يضع مسافة بينه وبين ما حرم الله ومنها كل ما اشتبه عليه في أمور دنياه وآخرته حتى يأمن وقوعه في الحرام. فكيف لنا بما حرم الله بآيات واضحات أن نجادل فيه وأن نطلب فيه فقه وتآويل العلماء حتى نسقط فيه.
****
الربا من الموبقات السبع، جاءت بعد الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله، ثم جاء بعدها أكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف (أي التخلف يوم القتال) وقذف المحصنات الغافلات المومنات (أي رمي النساء المومنات بالزنا وبالفواحش باطلا). وهذه هي الموبقات أي المهلكات التي تهلك المرء في نار جهنم أعاذنا الله وإياكم منها، إن لم يتب ويستغفر نطلب الله العافية منها لنا وللمسلمين أجمعين. ورغم ذلك، تجد من لا زال يستفسر كيف يتخلى عن الربا إن لم يجد مالا ليشتري بيتا أو ليملأ دكانه للتجارة أو ليشتري كبش العيد أو الأدوات المدرسية لأولاده و منهم حتى من يتساءل عما يفعل إن لم يجد مالا ليقضي العطلة الصيفية. فتجدهم يتحججون بالحجج يتعذرون بالاضطرار وكأن من لم يتملك بيتا أو من لم يذبح الكبش في العيد ستطلع روحه من الجوع والعطش.
من يملك أن يكتري بيتا فهو ليس بالمضطر. وغلاء الكراء ورخاء أقساط الشراء ليس عذرا. وعدم الإحساس بالاستقرار في بيت الكراء أهون من عقاب الله الدنوي والأخروي. كيف يتناسى المرء هذا ولما يخرج أحد الأولاد عاقا أو يمرض أحد أفراد الأسرة مرضا عضالا يسأل الفرد ماذا فعلت وينسى أنه عاش في الربا واشترى بالربا وأكل الربا. قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" وهل بعد هذه الآية نحتاج شرحا أو تبيانا؟
****
ثم إن الربا لهو الهلاك للمجتمع بعينه. فتخيلوا معي أن معلما أو ممرضا يأخذ في الراتب 3000 أو 4000 درهم شهريا، وهو في مستواه مقارنة مع غلاء المعيشة يعتبر من الطبقة الفقيرة جدا، لأنه إن اكترى لن يملك أن يكمل براتبه الشهر بعد أدائه فاتورة الماء والكهرباء، وشرائه مستلزمات البيت ثم المأكل والمشرب، وقد يحتاج هذا الفرد إلى دواء ولن يجد مالا لشرائه. تخيلوا لو كل مسلم يعيش بهذا الراتب في المغرب انتهى عن الربا، ستظهر حقيقة الفوارق الطبقية بين الأغنياء والفقراء من جهة، حيث أن شريحة عظيمة من الشعب المغربي ستجد أنها غير قادرة على تملك بيت أو شراء خروف العيد أو حتى تعليم أولادها وشراء كل مستلزمات المدرسة؛ وبهذا ستفضح حقيقة مجتمعنا وسيعرى عن الفقر الكامن فيه وستضطر الدولة لإيجاد حلول وسط لهذه الشريحة العظيمة من الشعب ببناء سكن لائق منخفض الثمن لتساعد الناس على المعيشة أو سيضطر أصحاب المنازل لخفض ثمن الكراء.. أو فتح بنوك إسلامية تساعد على التعاملات الحلال. ومن جهة أخرى، سنتوقف عن دفع الفوائد لهؤلاء الأثرياء الذين يملئون أرصدتهم بفوائد القروض الربوية، وبذلك ستبدأ الفوارق الطبقية بالتقلص.
أما إن بقينا على هذا الحال في زيادة الاقتراض بالفوائد، فإننا أولا سنأذن بحرب من الله ورسوله لابد قادمة، بأن تقع كارثة عظيمة في اقتصاد البلد كما وقعت ليس ببعيد في أمريكا ودول العالم بسبب التعاملات الربوية، إضافة إلى ذلك سنبقى دائما عبيدا للقروض نؤديها مدى الحياة، وستزيد الفوارق الطبقية بأن نفتقر نحن بسبب القروض رغم أن ظاهرنا الغشاش المخادع يوحي بغير ذلك، حيث الكل يملك سيارة وشقة وهي حرام في حرام وويل على مالكها ومن ملّكها، ثم أن الأثرياء سيزيدون غنى بالفوائد الحرام.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه"، والمال هنا جاء قبل العرض، فكيف لمؤمن أن يستحي أن يقول زنيت ولا يستحي أن يقول اشتريت بيتا بالربا. وهذا الحديث دليل على ما أقول: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: "الربا سبعون حوبا. أيسرها أن ينكح الرجل أمه." أيسرها بمعنى أخفها. بمعنى أن أيسر أبواب الربا وأضعفها كأن ينكح الرجل أمه.
من لا زال يرغب باقتناء بيت بالربا بعد هذه الآية والأحاديث فإن هاته الآية تنطبق عليه: "قالت الأعراب آمنا، قل لم تومنوا لكن قولوا أسلمنا. ولما يدخل الإيمان في قلوبكم". فمن كان فقيرا لا يملك أن يقتني بيتا فليعترف بفقره وليستعفف. ومن ترك شيء لله عوضه الله خيرا منه. وغير ذلك الله به أعلى وأعلم.
هناك من يلوم الدولة التي لم تسمح بفتح أبناك إسلامية، ومعه حق، لكن هذا ليس عذرا كي يلجأ إلى ما حرم الله ويعتذر بالدولة، وفي ذلك قال تعالى: "إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب. وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار".
وقال تعالى: "إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا"
وأخيرا أترككم مع صحيح البخاري:
قال النبي صلى الله عليه وسلم
رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل، بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد الرجل أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه، فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر، فيرجع كما كان ، فقلت: ما هذ؟ فقال: الذي رأيته في النهر آكل الربا .
الراوي: سمرة بن جندب. المحدث: البخاري. المصدر: صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 2085. خلاصة الدرجة: صحيح.